السخرية مسكّن مؤقت ..!

أطلق بعض المتشائمين على الأدب الساخر اسم (كوميديا سوداء). ووصفه بعض المتفائلين ب (الكوميديا البيضاء). وليس الأدب الساخر هذا ولا ذاك، فهو يقدّم صورة عن الواقع بأسلوب ساخر، يمكن أن يؤدي إلى البكاء والحزن، أو إلى الضحك وإزالة بقع السواد ولو إلى زمن قصير.

وتعبّر السخرية عن حمّى الأزمات الملعونة كالتي تعصف بنا منذ عامين ونصف، وتخفف من التوترات والانفعالات النفسية.

هناك علاقة وطيدة وقديمة بين السخرية والسياسة.. فالسياسة هي فنّ الحكم، وعلى السياسي أن يكون على قدر من الذكاء في معاملته للآخرين. وعلى الكاتب الساخر أن يتمتع بالذكاء واللباقة. والسخرية من جهة ثانية سلاح فعَّال في أيدي المقهورين والمظلومين، وتتصل بالسياسة بحلقة تواصلية ثابتة.

وفي قصيدة للشاعر الكبير نزار قباني بعنوان (هوامش على دفتر النكسة) يقول:

أنعى لكم يا أصدقائي اللغة القديمة

والكتب القديمة

أنعى لكم

كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة

ومفردات العهر والهجاء والشتيمة

أنعى لكم .. أنعى لكم

نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة

وتتعدد آراء الكتاب عن مفهوم الأدب الساخر.. هناك من لا يعترف بهذا الأدب. فالكاتب محمد بركة، رئيس منتدى الساخرين في مصر، قال: نحن بصدد حالة من الكتابة الساخرة تظهر تجلياتها في إصدار عدد كبير من هذه الكتب والمدونات والمقالات، من المفروض أن هذه الكتابة الساخرة تحمل جماليات الأدب. ويرى أن 90 في المئة مما يكتب ليس له علاقة بالأدب الساخر. وعدّه بعض الكتاب (موضة). ورفض الكاتب عمر الطاهر مؤلف كتاب (زملكاوي) هذه التسمية وقال: لا يوجد ما يسمى ب (الأدب الساخر). ومؤلف كتاب (الجمهورية بتاعي) محمد زمزمي يرفض هذه التسمية أيضاً، ويرى أن السخرية أسلوب في الكتابة. ولم يصنّف الأديب محمد السعدني نفسه في قائمة الكتاب الساخرين. ولم يكتب على أغلفة كتبه عنوان (الكتاب الساخر).

إن فكرة الكتابة الساخرة كما يرى الدكتور مصطفى الضبع، تقوم على الإضحاك. ولهذه الكتابة القدرة الإبداعية التي تشكل آليات بعينها في الكتابة. أما الدكتور عبد المنعم تليمة فيقول، إن السخرية أصل الأدب، وهي روح الفن عموماً، ولكن ليست السخرية الفجة أو العالية. ووصف السخرية بأنها طبقة عالية من التفكير والتعبير، كان يكتبها الجاحظ  وأبو العلاء المعري وإمام الساخرين حافظ إبراهيم.

لقد أفرزت الأزمة السورية بعض النكات الساخرة اللطيفة. ونشرت بعض المقالات في الصحف والمواقع العربية ، عبرت عن السخرية في هذا الشهر الفضيل، منها على سبيل المثال (احذروا.. لا تظنوا أن وقت الإفطار حان كلما سمعتم دوي مدفع.. وأن مسحراتياً بحمص بقي يقرع طبله لنحو ساعة، إلاَّ أن أحداً لم يستيقظ فقام بتفجير نفسه ليوقظ الناس).

وهنالك دعوات على الفيسبوك تقول، إن من يتبرع بدولار واحد في رمضان ستتضاعف حسناته حسب سعر الصرف.. ويقول آخر: ليس الصعوبة في رمضان أن تصوم، ولكن الصعوبة في أن تجد ما تفطر عليه.

السخرية في الأدب لا تقف عند حاجز، فهي تجتاز الخط الأحمر دون أن تبرز جواز السفر..!

العدد 1188 - 25/02/2026