الأدب.. روح الحضارة

لكل شيء روح.. تسكنه أو تحيط به.. فروح الوردة العطر، وروح الطيور الغناء والطيران، وروح القلاع الصلابة، وروح الجبال الارتفاع، وروح الأرض ما يحيط بها من نور ونجوم وعواصف ورعود، وما تخرجه لنا من ينابيع وشجر وزرع.

وروح أي حضارة الأدب والأخلاق..

والأدب لا يصنع إلا بالكلمة، والكلمة كي تكتمل وتقوى لا بد لها من ارتباطها بكلمات أخرى لتكوّن المعنى، وكلما كانت الكلمة صادقة ومعبرة كان انتماؤها إلى الحلقة التي تدور في فلكها أقوى وأبقى.

وإذا أردنا لكلماتنا البقاء، ولأفكارنا الخلود، وجب علينا نقشها فوق الصخور أو رسمها فوق الورق، فلا حياة للأفكار إلا بالكلمات المكتوبة، ولا صمود لها إلا في رمزيتها ومعناها ودلالاتها.

ولا يطيل بعمر كلماتنا وأفكارنا إلا قراءتها من قبل الآخرين، فالقراءة هي الولادة الثانية للكلمة، والعين الأخرى للفكرة.

في البداية تولد الكلمات صامتة خرساء، ولا يتدفق الدم في جسدها، والهواء في رئتها إلا حين مطالعتها وقراءتها وفهمها.

إن القلم جسد الكلمة، والورقة جناحها، والمعنى روحها، مثلما الشمعة جسد النار، والنور حياتها.

(إن الكلمة الحلوة لا تضيع على قائلها، فالأزهار تترك بعض شذاها على اليد التي تهديها، وما الكلمة الطيبة إلا جسر رقيق يصل بين قلوب الناس).

الأدب روح الحضارة..

وليس الأدب إلا كلمات.. وكلمات.. وفي حقيقة الأمر إن الكلمة لها الفضل الأول والأخير في وصول حضارات الشعوب وإنجازاتها إلينا..

ماذا لو لم تكن هنالك كلمات مكتوبة؟

وماذا لو لم يكن هنالك أقلام تنقل الأفكار من رأس الكاتب إلى رأس الورقة؟

إن الكلمة مفتاح كل علم، وكل باب، وكل سر، وعدم قراءتها هي القفل الحديدي الذي يجعلها مدفونة بين الكتب ا لمغلقة.

ثوب هي الكلمة، ولا يهام إن كان الثوب قديماً أو جديداً، مايهم أن يكون نظيفاً، فنظافة الكلمات من الأمراض والسوس والحشرات هي سبب بقائها وسر خلودها واستمرارها، فعطرها في معناها، وصلابتها في مغزاها، ولا يمكن للكلمات أن تبقى صامدة إذا لم تحمل بين حروفها أفكاراً سامية، وقيماً خالدة.

(واحترسوا من كثرة الكلام.. فمن ألف كلمة ينطق بها الناس، واحدة لا أكثر قد تكون جديرة بالنطق، وإن في ترك فضول الكلام يثمر النطق بالحكمة، وخير الكلام، ما لم تحتج بعده إلى كلام).

إن الكلمة المبدعة حيثما نزلت تركت خلفها أثراً ولو بعد حين.. فهي تظهر قوة الحياة ونعومتها، قساوتها ورقتها، تنير وتدفئ وتضيء، مثلها مثل الشمس: خلفها نار، وأمامها نور.

وما الكلمات إلا قطع من الحجارة والخشب والحديد، وهي لا تقوى إلا بتماسها واتحادها بعضها مع البعض الآخر، ومن الناس من يجمعها ليبني منها أكواخاً للبط والوز والدجاج، ومنهم من يختارها بعناية ودقة وحذر ليشيد بها قلاعاً وقصوراً عالية تبقى صامدة في وجه الريح وعواصف الدهر العاتية.

إن للكلمات رائحة وطعماً ولوناً، فمثلما يوجد ألسن لتذوق الطعام، وأنوف لشم الروائح، وعيون لرؤية الألوان وتمييزها، يوجد أيضاً عقول لتذوق الكلمات وشم رحيقها ورؤية ألوانها.

لبعضنا كلمات لا تختلف أبداً عن الجثث المتحللة، ولكل جثة طعمها ورائحتها ولونها.. ولبعضنا الآخر عبارات وجمل قد تكون أطيب من العسل، وأزكى من رائحة المسك والعنبر، وأجمل من ألوان قوس قزح.

يحكى أن أفلاطون الحكيم كان جالساً تحت شجرة، فجاءه تلاميذه وتجمعوا حوله، وشرعوا ينتظرون كلامه، فبقي الحكيم صامتاً، فسألوه عن سبب صمته، فنظر حوله ودقق في الوجوه، فلم يجد تلميذه أرسطو، فقال:

لو وجدت مستمعاً لتكلمت.

فقالوا له مستغربين: إن حولك أيها المعلم ألف رجل ينتظر؟!

فقال: أريد واحداً كالألف!

العدد 1188 - 25/02/2026