الدخول في المدني… الخروج من الأهلي (2 من 2)

المدينة تفرض أسلوب عيشها، وتتطلب تنظيم مجتمعها بما يناسب ثقافتها، ويتجذر ذلك في حياة أبنائها عندما يندمجون فيها، ما يجعل الانتماء للمدينة لا يعني السكن فيها فقط، بل الانتماء إلى أسلوب عيش وثقافة، ومن يرفض ذلك بفعل الانتماء إلى الأهل، لا يمكن له أن يصبح مدنياً، أي ابن مجتمع مدني. الأهم لكي نبني مجتمعاً مدنياً، هو الخروج الحتمي من المجتمع الأهلي، والإشكالية التي عانيناها في بلادنا العربية، أن الانتماء إلى العصر ساقنا إلى المدن، فنقلنا أريافنا وبوادينا معنا إلى هذه المدن التي عشنا فيها شكلاً، أما المضمون فقد بقي ريفياً بدوياً، عشائرياً أقوامياً طائفياً. لقد أصبحنا على درجة من الهجنة، لا مدنيين ولا أهليين، وفشلنا في إنجاز مجتمعات تخرجنا من الإعاقات.

لقد اخترقت البنى التقليدية (عشائر، طوائف، أقوام…) البنى الحديثة، ولم يستطع المجتمع السياسي، أي تلك الجماعات (أو الأحزاب) التي أصبنا بعدواها من الغرب، ونهضت بالفعل السياسي على عاتقها، أن تبني هذا المجتمع في البلدان التي أتيح لها الوجود فيها، على أساس مدني صرف، لأنها هي ليست مدنية صرفة، عدا البلدان التي لم تتم دعوة مجتمعاتها إلى مقاربة المدنية من قبل قياداتها القبلية كبلدان الخليج. بالتالي فقد انتقلت الانتماءات العشائرية والطائفية والأقوامية، وأساليب عيشها وتفكيرها إلى أحزابنا الحديثة التي يفترض أنها تكونت ضمن إطار المجتمع المدني وانبرت للقيام بالدور السياسي، مكونة المجتمع السياسي، فأصبحت أحزابنا التقدمية، اليسارية والليبرالية وغيرها تعبيرات عن طوائف وعشائر تكونت منها، أو تكونت داخلها طوائف وعشائر من لون جديد، ولأننا حملنا الانتماءات السابقة إلى هذه الأحزاب مثلما حملناها إلى المدن، فتريّفت المدينة، وتريّفت الأحزاب والسلطة والسياسة والدولة، أو أصبحت هجينة، بمعنى أصبحت أشتاتاً يجمع أقطابها الفاعلية السياسية على مستوى السلطة أو الدولة، والفاعلية الطائفية والعشائرية التي تصنع لهم العصبية التي تبرز قاماتهم السياسية الفاعلة في المجتمع، والتي لا يستطيعون التخلي عنها لأنها قوام وجودهم. فزعماء الدول، زعماء عشائر وطوائف، ومن يراقب الانتخابات التي تجري داخل الأحزاب لاختيار القيادات، أو تعيينها، يلحظ الاهتمام بالتوازنات العشائرية والطائفية التي يحرصون عليها، كذلك في الانتخابات العامة، المحلية والبرلمانية. لم نمدّن أريافنا، بل أصبحت سياستنا ودولنا وسلطاتنا ريفية أهلية.

إن عدم الخروج من عباءة شيخ العشيرة، حيث آلت المشيخة إلى ابن العشيرة الفاعل في الدولة والسياسة، وعدم إدارة الظهر لشيخ الطائفة بدل الخضوع له والتنسيق معه، بحيث بدت الشراكة بين المشروع الطائفي (العقيدي) والمشروع الأهلي (القرابي) تحت راية وطنية سياسية، في توليفة متفجرة أو متساكنة أو مرفوضة، هي الفاعلة على ما فيها من هجنة، وقد بدت فاعليتها في أسر المجتمع وإبقائه يرسف في قيود التخلف المغطى بقشرة حداثة غير منجزة. إن أول ما يقتضيه هذا التوجه الحداثي هو مجابهة الولاء للانتماءات ما قبل الحداثية. من هنا يتأكد أن المجتمع المدني أو التشكيلات الاجتماعية عموماً هي تشكيلات ثقافية، والانتماء إلى أحدها يعني الانتماء إلى ثقافة، والثقافة تفضح صاحبها، فلا يستطيع مخادعة الناس إن لم تكن ثقافته الحداثية أصيلة، وإظهار ثقافة مع استبطان أخرى، سرعان ما ينكشف. فالرئيس المصري المعزول (محمد مرسي) توجه إلى المصريين في ليلة القدر من رمضان في صيف 2012 من على منبر الأزهر، وخاطبهم مكرراً (يا أهل السنة والجماعة) في بلد متنوع الانتماء الديني، و(يا أهلي وعشيرتي) في مجتمع طالب للحداثة والمدنية، بدل أن يقول: يا أهل مصر، أيها الشعب، أيها المواطنون، أيها الإخوة…إلخ، فبدا عواره، وغلبت عليه ثقافة جماعة الإخوان المسلمين، وهو رئيس دولة، على ثقافة المواطنة والانتماء إلى الوطن والشعب. فمن يخرج من المجتمع الأهلي إذا كان رئيس الجمهورية لم يخرج منه؟!

أهمية إدراك ذلك تكمن في توجه العالم نحو نموذج آخر من المجتمعات تدفع إليه بتسارع كبير تكنولوجيا الاتصالات والميديا الرقمية، حيث يتواصل البشر على الوسائط (منها: فيسبوك وتويتر) فيطرحون ما يشاؤون من القضايا، يتوافقون أو يختلفون حولها، دون قدرة أحد على إلغاء أحد أو سحب فكره من التداول وتكوين الآراء حولها، وهذا المجتمع العالمي الجديد يسمى (المجتمع التداولي) الذي بشر به أمثال: أنطوني جيدنز، وقد أوضحت فكرته في بحث ضمنته كتاب (أبيض وأسود في الحراك الثوري العربي) في مجال بيان تأثير وسائط الاتصال في صناعة الثورات العربية الحديثة في تونس ومصر، أو الحروب الحديثة كما في سورية.

إن فضيحتنا الثقافية والاجتماعية، قد أبرزتها أحداث بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين في بلادنا العربية، لقد ظهرنا على حقيقتنا التي لا تبعث على السرور، فتحت القشرة الحداثية التي نتمظهر بها، يكمن الولاء لشيخ العشيرة وشيخ الطائفة الذي لا يتوانى عن إخراج الآخر من رحمة الآلهة وتنمية العصبية لجماعته بديلاً للوطن.

المجتمع المدني من أهم ضمانات نجاح الديمقراطية في أي بلد، بنفيه الاصطفافات الوشائجية اللاديمقراطية، بالتالي فإن أنظمة الاستبداد تسعى لعرقلته، وقد يكون ذلك خطراً في لحظات معينة، فعندما حصل احتلال العراق وليس هناك منظمات مجتمع مدني فاعلة تشغل الفراغ الذي أحدثه الحاكم الأمريكي بريمر عندما أسقط الدولة بجيشها وقوى أمنها ودورها، لم يعد هناك ما يمسك المجتمع ويحافظ على تماسكه وهدوئه، فاندفع الناس باتجاه مجتمعهم الأهلي الذي جرى تنشيطه، مع أنه لم يكن قد فقد فاعليته ودوره، فبدت العشائر والعائلات والإثنيات والطوائف أو الملل، هي الملجأ الذي لم يتردد الناس الذين ليس لديهم ما يذود عنهم، في اللجوء إليها، وهي كتل صلبة مثل الكتل التكتونية تحت القشرة الأرضية، عندما تتحرك بجملتها الصلبة تحدث الزلازل، ما جعل المجتمع العراقي يتزلزل. وهذا ما يؤكد أهمية المجتمع المدني بوصفه بديلاً، كي لا تتصادم الكتل الأهلية وتنتج الكوارث.

كتل المجتمع المدني لا تتصادم لاختلاف اهتماماتها ومجالاتها، وتنافسها يكون في إنتاج الأفضل، بل هي محكومة بالتعاون لحاجة كل مصلحة أو اختصاص إلى غيره، ما يجلعها تتوجه نحو الديمقراطية في علاقاتها.

العدد 1140 - 22/01/2025