الأصولية المتطرفة سلاح الإمبريالية القذر

لم يعد خافياً على كل متابع  للدور الذي تقوم به القوى الاستعمارية على المسرح الدولي قديماً، وحديثاً، بعد افتضاح بشاعة وقذارة الأساليب التي تستخدمها في سبيل الوصول لأهدافها، في الهيمنة، والسطو على خيرات الشعوب، واستلابها،  لكي تبقى المجتمعات البشرية ألعوبة بيد القائمين على صناعة القرار في الإمبراطورية الرأسمالية العالمية التي تديرها الماسونية العالمية المسخرة لخدمة الصهيونية.

ومن بين الأسلحة القذرة والأكثر فتكاً التي تستخدمها هذه القوى لتحقيق هدفها الخبيث هذا: سلاح التطرف، لأنه الطريق الذي يسهل لها تنفيذ أحلامها في الهيمنة على البشرية جمعاء دون تكاليف،  بل بيد الضحية نفسها. وفي سبيل ذلك جرى ويجري الخلط بين الأصولية والتطرف، فالمعنى السائد المعمول به للأصولية ليس هو المعنى القاموسي الأصيل للكلمة،  ذلك أن الأصولية بالمعنى الخير،  تعني الانتماء الأصيل والعودة إليه، فالأصولية اشتقاق من (الأصول)،  جمع أصل،  وهي من هذا المنظور تعني الأصالة، وهذا هو بالضبط المعنى اللغوي الأصيل للأصولية، الذي يعني إحداثيات النسب التاريخي والحسب الثقافي العام للجماعة المعنية والمجتمع أو الفرد المعني.

وأما العودة إلى الأصل، فلا تعني هنا ليّ عنق الحاضر، أو قصّ (أطرافه)، في سبيل تفصيله على مقاس (صندوق) الماضي، بغرض التمسك بحرفية الأصل والانصياع  له، أو الانغلاق عليه ضمن أطر ماضوية تحول دون رؤية تطورات الواقع ومستجدات التاريخ أو مواكبتها، فالانتماء للأصل والعودة إليه بالمفهوم الإيجابي للأصولية تعني وتفترض، بالضرورة التاريخية، إعادة تأصيله وتأهيله شرطاً ضرورياً لتوطينه في الحاضر،  ذلك هو الشرط الضروري للإبقاء على الأصل واقعاً حاضراً باستمرار. فالتمسك بالأصل والانتماء إليه لا يقومان على مسخ الحاضر أو اعتقاله في معتقل الماضي،  وإنما على تطوير الأصل نفسه تبعاً لتطور الواقع ذاته.

والحال يختلف بالمفهوم الشائع للأصولية، وهو المفهوم المبتذل، وهو يختلف أيّما اختلاف عن مفهومها القاموسي الأصيل أعلاه،  فهي بالمفهوم المختزل،  ظاهرة خاصة بقوم معين أو جماعة محددة، يراد بها من جانب البعض القدح والذم والتشهير أو التجريح والنيل من كرامة البعض الآخر وقدره،  وهذا هو أكثر مفاهيم الأصولية ابتذالاً وسلبية، فالأصولية بالمفهوم (السوقي) الرائج أو الشائع ظاهرة محض دينية تلبس لباس الطائفية في حالات غير نادرة فتبدو مثل (لعنة) تلصق بهذه أو تلك من طوائف هذا المجتمع أو ذاك، وبالتالي فإن المفهوم الطائفي (اللعين والملعون)  للأصولية في بلداننا العربية واحد من الأسباب الكبرى للحروب الطائفية التي شهدتها وتشهدها هذه البلدان اليوم، أكثر من أي وقت مضى. وأما الأصولية بالمنطق الغربي الرسمي، وحسب المفهوم الأمريكي المتطرف، فهي ظاهرة تخص المجتمعات الإسلامية، لدى عدد كبير من صقور المحافظين الجدد الحاكمين في البيت الأبيض والبنتاغون الأمريكي، هذا المفهوم المبتذل، عبر عنه الرئيس الأمريكي  جورج بوش جلياً، عندما توعد في وقت سابق،  من على متن طائرته شعوب العالم الإسلامي بحرب (صليبية)،  ستبدأ دونما نهاية مجدولة.  وهذا المفهوم الأمريكي للأصولية،  بشكل عام،  والأصولية الإسلامية بشكل خاص،  هو واحد من أبرز وأخطر الخلفيات الثقافية لسلسلة الحروب الأمريكية الأخيرة ضد عدد من شعوب البلدان الإسلامية، تحت مسمى (الحرب على الإرهاب)، ومواجهة الجماعات والشعوب (الإرهابية).

وفي الواقع نجحت المؤسسات الغربية بابتداع الأصولية المتشددة، وإلصاقها بالعرب والمسلمين وعقيدتهم،  وأختلط مفهوم المقاومة والجهاد بمفهوم العنف والقتل.ولقد وقع الخلط المدوي في مصطلح الأصولية ودلالته عند الغربيين، وكذلك عميت بصيرة كثير من العرب والمسلمين عن الحقيقة، وخلطوا هم أيضاً بين دلالة الإرهاب والعنف والتطرف، ومفاهيم الجهاد والمقاومة والاحتلال الصهيوني . وبالتالي أصبح مفهوم التطرف  بفضل السياسة الأمريكية، والرؤية الغربية المتطرفة،  من المفاهيم الإشكالية التي تنسج حضورها الكبير في أدبيات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

 ويمكننا الإشارة إلى بعض الحقائق التي تتعلق بمفهوم التطرف  وهي: التطرف ظاهرة عالمية،  ومسألة اجتماعية،  تعني الشعوب كافة، وليس في حقل اجتماعي واحد فحسب،   بل أصبحت ظواهر ذات طابع عالمي،  تعرفها الدول الغنية والفقيرة،  وتعرفها دول الشرق، كما تعرفها دول الغرب هناك أشكال متعددة للتطرف،  فهناك التطرف العرقي،  والثقافي، والديني والطائفي،  أي أن مصدر التطرف ليس دينياً فقط، بل كل طرح يستند إلى ما قلناه سواء كان اقتصادياً أو ثقافياً أو سياسياً أو دينياً،  وبالتالي فليس هناك  نوع واحد من التطرف، بل أنواع متعددة بتعدد حقول وميادين الحياة الاجتماعية،  والمعرفية منها والسياسية والدينية.وهو أفكار وتصورات تتعارض مع الحقيقية الموضوعية، وحماسة عمياء لعقيدة أو رأي أو مشاعر جارفة نحو شيء ما. ويعتقد المتطرف أن ما يملكه ويعرفه هو الحقيقة المطلقة،  وبالتالي فهو يسعى دائماً ويكرر المحاولة لاحتكار الحقيقة والرأي،  ويتهم الآخرين بالخطأ،  ويرفض الحوار مع الآخر. لا يتقبل المتطرف الفرد أو الجماعة إلا فكره وحده، ولا يستطيع مقاومة المنطق الاستدلالي للأفكار الأخرى، ولذلك يلجأ لاستخدام العنف بأشكاله كافةً لفرض أفكاره،  ومعتقداته، على الآخرين. والمتطرف انتهازي لا عقيدة ثابتة لديه،  فنراه تارة متشدداً دينياً، وتارة أخرى علمانياً يتحول إلى منظر للفكر السلفي. وأخطر أنواع التطرف هو المتكئ على الدين المشوه، والذي يلجأ إليه من يعانون من مركبات نقص تجاه الآخرين، فهولا يمارس تدينه ليمنحه السكينة والسلام، وإنما يستعمله لكي يقهر الآخرين ويسيطر عليهم، وهذا ما نلحظه عند التلموديين الصهاينة، والمسيحيين الصهاينة،  وعند الذين يختبئون تحت عباءة الإسلام،  من الحركات التكفيرية المتطرفة المنتحلة صفة الإسلام. وبالتالي فالتطرف الديني يتمتع بصفتين أولهما: استبدادية إقصائية واستفرادية،  وثانيهما:  ظلامية. وهو نقيض الديمقراطية والحرية: لأن كل متطرف هو مستبد،  وهذا هو واقع الأحزاب والحركات السياسية الإسلاموية المتطرفة، فهي تسفّه الحزبية والعمل الحزبي، الذي يخص القوى السياسية المغايرة. أما بالنسبة إلى البرلمان والمشاركة في المجالس النيابية، فقد حرّمه بعضهم، وكما يقول عبدالله عزام (وهو أحد قادة تنظيم القاعدة التكفيري): (المجالس النيابية لا يمكن أن تكون طريقاً لإقامة مجتمع مسلم،  ولا لنصرة دين الله في الأرض نصراً حاسماً،  نهائياً،  ولا يمكن أن تقوم دولة إسلامية عن هذا الطريق.  لا يقر الشرع المعارضة الماركسية، لأن الشيوعي مرتد أو زنديق حكمه القتل، لا أن يُعترف به كقوة منظمة معارضة). ولقد استعمل العاملَ الدينيَّ فئاتٌ وأيديولوجيات مختلفة في دعم مواقفها وتثبيت وجودها بدءاً من القرن الثامن عشر للميلاد كما هو حال آل سعود، فقد جمعت العائلة السعودية مثلاً بين العائلة والقبيلة والحركة الوهابية،  لتدعيم ركائز حكمها في شبه الجزيرة العربية، وارتبط مصير العائلة السعودية بالوهابية منذ عام 1744م. ولقد تجلى التطرف في الغرب في النزعة الأوربية المركزية،  التي هي تطرف خطير، فهي تزعم أن العلم إبداع أوربي، وهو، بصفته تلك، حزمة من الحقائق المطلقة،  والمعارف الناجزة المكتملة. وعلى هذا النحو، تنسف هذه النزعة المتطرفة سمتين أساسيتين للمعرفة العلمية وهما: النسبية والتراكمية. وبالتالي، بالمقارنة بين التطرف الديني،  وما تطرحه العولمة المتوحشة،  نجد أنهما وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يستفرد بالحقيقة، فالمتطرفون الدينيون يتحدثون عن معادلة تقوم على (المؤمن والكافر)، وبالتالي يرون أن عقابه وتدميره واجب، وأن التاريخ (الحقيقي) بدأ بالقرن السابع، وينتهي به.

 أما العولمة  فقد أعلن منظروها أنها تمثل نهاية التاريخ، وأنها قمته. وفوكوياما هنا، على عكس سيد قطب، ينطلق مما يعتبره نهاية التاريخ، وتتهم العولمة كل من لا يخضع لها بأنه إرهابي يجب تدميره.

 وهكذا نضع يدنا على المشترك، بينهما، وهو أنهما  ينظران إلى موضوعهما بوصفه فوق التاريخ، وبالتالي نكون أمام ظاهرتين  (التطرف الديني والعولمة) تنكران مبدأ (شرعية التعددية) بشتى حقولها ومرجعياتها الثقافية والحضارية والفكرية والحزبية والقومية وغيرها. فالمتطرفون الدينيون لا يقرون بغيرهم ويعتبرونه كافراً،  وأصحاب العولمة  يعتبرونه (شريراً إرهابياً). وكما نعلم فإن التطرف والعولمة إنتاج الإمبريالية،  وهي تستعملهما لإخضاع البشرية أو لتدميرها.

العدد 1194 - 15/04/2026