خلِّي الشوارب على جنب
ما أعاد موضوع الشوارب إلى واجهة الاهتمام أكثر من حدث، فقد أعادت قناة سورية عرض مسلسل (أيام شامية)، وهو أول مسلسلات (البيئة الشامية) عرضت في تسعينيات القرن الماضي، لتكر السبحة بعدها، ويصبح لدينا أسطول عرمرم من هذه الأعمال التي تقدم الشام فولكلوراً محضاً، أهم ما فيه بالنسبة إلى الرجال الشوارب، وبالنسبة إلى النساء إقناع (ابن عمي) بأنها أفضل جارية يمكن أن يقتنيها.
فكان أحد محاور المسلسل الأساسية هو قصة شوارب محمود الفوال (عباس النوري)، الذي رهن شعرات من شواربه عند أبي عبدو (زوج التنتين) (المرحوم خالد تاجا) حتى يعيد إليه مبلغاً من المال استدانه منه، وتتشابك القصة وتتعقد حين تصبح خطبة محمود من الفتاة التي يريدها متعلقة بشعرات الشوارب المرهونة، وتتعقد أكثر حين يؤمن محمود المبلغ بعد سنوات من الكفاح والجهد تأخذ أكثر من نصف المسلسل، فيفاجأ الجميع أن (أبا عبدو) قد ضيع شعرات شوارب الرجل. وهنا تقع الطامة الكبرى ويكاد الدم أن يصل إلى الركب، لكن تدخُّل زعيم الحارة بعد (الأعضاوات) يحل المشكلة ويعيش الجميع في سبات ونبات. خبر آخر أيضاً يتعلق بجيراننا الأتراك الذين يقدسون الشوارب أكثر منا، وربما يعود (الفضل) لهم بتكريس عادة الشوارب كمعادل للرجولة والفحولة حين حكمونا أربعة قرون عجاف في احتلال مظلم وظالم. الخبر يقول إن كثيراً من الرجال الأتراك الذين يعانون من شوارب خفيفة يلجؤون إلى عمليات زراعة الشوارب لتأكيد رجولتهم! بل إنهم صاروا يصدِّرون الشوارب إلى البلدان الأخرى لزراعتها.. رغم إن الإسلام الذي يدين به غالبية السكان هنا وهناك لا يحبذ الشوارب في حديث للنبي محمد يقول: (حُفُّوا الشوارب وأرخوا اللحى).
وفي شرح ابن باز ما غيرو للحديث يقول، وعمر السامعين يطول: الشارب: هو كل ما كان على الشفة العليا، هذا يقال له الشارب، وقص الشارب واجب وحفُّه أفضل لكن لا يكون حلقاً، بل يكون له أساس وبقية حتى يعرف أنه شارب…أما اللحية فهي كرامة من الله للرجل، وجعلها الله ميزة له عن النساء، وجعلها ميزة له عن الكفرة والعصاة الذين يحلقون لحاهم، فهي زينة للرجال، وهي نور في الوجه وهي ميزة له عن النساء، فلا يجوز له أن يتعرضها بحلق ولا قص فلا يحلقها ولا يقصها ولا يحلق العارضين مع الخدين؛ لأن اللحية تشمل الشعر الذي ينبت على اللحيين والذقن، فما نبت على الخدين والذقن فهو اللحية، وهكذا الذي تحت الشفة السفلى داخل في اللحية فلا يجوز له قصها ولا حلقها، بل يجب إكرامها وإعفاؤها وتوفيرها! وهذا ما يقوم السلفيون بالالتزام به حرفياً، إذ تجدهم ملتحين بلا شوارب في مشهد غير متجانس جمالياً، بينما ينظر في البيئات الشعبية الريفية خاصة إلى الرجل الذي بلا شوارب نظرة استخفاف في أحسن الأحوال، لأن الشوارب كما أسلفنا ترتبط بالرجولة والفحولة والنضوج في العرف الشعبي. فيقال عن شوارب أحدهم مثلاً: يقف عليها نسر، كناية عن كبرها وارتباطها بمعاني الرجولة والشجاعة… كما يتم القسم بالشوارب، وهو قَسَم غليظ، إذ يضع الرجل يده على شواربه ويعد وعداً لا يستطيع أن يخلفه، وإلا خسر الشوارب وما يليها من معان ودلالات. فيقول طوني حنا لحبيبته في الأغنية الشهيرة: لا تحلفيني بالشنب… خلي الشوارب على جنب. وأخذ الأوربيون الموضوع من باب الطرافة والغرائبية، فنظَّموا مسابقات لاختيار أجمل شارب يشارك فيها مئات المتسابقين.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد تذكرت هنا ما كان يفعله شباب حارة شعبية بصديقهم (أبي قاسم)، وهو شخص لطيف ومحبوب وبسيط يعتز بشواربه كثيراً ويهتم بها. منها أنهم تركوه يستغرق في النوم مرة وقام أحدهم بوضع الهاتف النقال ل (أبي قاسم) بعيداً عنه وربط شواربه بخيط نايلون إلى عارضة السرير ثم رن على هاتفه. ما إن سمع صوت الهاتف حتى نهض بسرعة فذهبت رزمة من الشوارب مع خيط النايلون وسط ضحك الشباب، ولولا تدخل العقلاء لاستعمل الرجل (موسه الكباس) ضد صديقه الذي نفذ المقلب.
ننهي الحديث في هذا الموضوع الشائك كشوارب البعض، والساذج كعقولهم، ببيت المتنبي الشهير:
أغايةُ الدينِ أن تحفوا شواربَكم
يا أمةً ضحكَتْ من جهلِها الأُممُ
منذ أكثر من ألف عام نبه المتنبي بعبقريته إلى خطورة الانغماس بقضايا شكلية وسطحية، وترك الجوهري والمهم في حياتنا، وهو ما نعانيه إلى يومنا هذا أكثر من أيام المتنبي وأشد إيلاماً.