جورج برناردشو في دمشق

ثمة صورة قد يتوسلها الجمهور لشخصية، بلغت شهرتها الآفاق، اطمأنت رمزاً في مخيلة القراء، وهم يقفون على آثار  مدونات  اخترقت اللغات وهدمت جدرانها، بفعل ما استقرت عليه من ثيمات دالة جعلت عالمية الأدب خارج المجازات المحتملة، وثيقة الصلة بالوجدان الإنساني الجمعي، الذي يختبر عبر كينونة الإنسان، اللغة والحضور وفلسفة المجال الحيوي الثقافي ذي الجاذبية العالية، ليدرك بوساطة الحدس مشتركات إنسانية تتخطى الحدود، وعبر الأدب ذاته، لتطل على ثقافة مغايرة بمعنى الاكتشاف الدائم، لخصوصية ثقافية معينة ما دامت تطأ مصادفة، أو ضرورة أرض أحلامها.

ولعل الفيلسوف الساخر جورج برناردشو، كان يغذي تلك الصورة المتخيلة بما حمله من فكر ومعرفة، جعلت الشغف بقراءته توازي شغفاً برؤيته. وما بين حدَّيْ البصر والبصيرة تتوتر دهشة المعرفة لتقبض على لحظتها الممتلئة بملهم جاء في دقائق صافية، لا علاقة لها بالمخيال الاستشراقي ورحلاته المتصلة بصورة الشرق واختزالاتها المعروفة في أدبيات بعينها.

كيف تحدَّث أكبر كاتب في العالم لمندوب صحيفة (الناقد)، وهي صحيفة نقد وأدب تصدر في دمشق، ومحررها المسؤول وصاحبها آنذاك الأديب أديب الصفدي؟!

كانت مصادفة جميلة، أن يكون وجود الأديب العالمي جورج برناردشو دمشق يوم الثلاثاء في السابع من آذار عام ،1931 مرافقاً لوجود (المندوب) الصحفي سليم خياطة بصحبة زملائه، ليفاجأ بمن يخبره بأن برنارد شو في دمشق!

يعجب الصحفي ويدهش من مجيء برنارد شو بمثل هذه السرعة، بعد أن جاءت البرقيات قائلة بأن قدومه إلى سورية يكون في التاسع والعشرين من شهر آذار، يتندر بجملة ذات معنى ويقول: (لعل الأديب الكبير خاف أن يزعجه ثقيل مثلي بسؤالاته وإلحاحه في طلب الجوابات، فأعطى شركة البرقيات تعليمات مغلوطة عن مجيئه). ليذهب المندوب لنزل خوام، إذ حل فيه (شو). وبتعبير الصحيفة رافق الأديب رهط من إنجليز وغيرهم هم رسله وحاشيته.

وعن قرب بدا له (شبح طويل، ساقان دقيقتان كقضيبي بان، وبطن هزيل ضامر، وكتفان كأنهما ركبا من قصب، ورأس  والروعة كلها في الرأس  كالبيضة ولكنها خارقة الطول صورت عليها جبهة مستطيلة وعينان غائرتان أحيطا بإطارين من زرقة خيفة ذات معان بديعة ووحي كوحي أفق سحيق وفضاء وسيع، ولحية بيضاء كالثلج تراخت عن عارضيه  وكان في بزة سوداء (…)، وإنك لترى في وجه هذا الرجل معاني العظمة والصلابة ممزوجتين بصبغة بريئة وببساطة طفل غرير).

ذلك الوصف الدقيق (لشو) كان من صحفي أحبه وقرأ جل ما كتبه، وقد سبق أن نشر مقالة عن كتابه (الرجوع إلى متوشالح)، وترجم إحدى رواياته في مجلة (الحديث) الحلبية. لكن (شو) الذي لا يقبل بإجراء حوار، سيما مع صحفيي مصر وطرائقهم لانتزاع جملة منه، استُدرج لحوار سريع مع خياطة الصحفي، وهو يلتقطه في لحظة نادرة، شروده في مسألة ما ليبتكر (حيلة)  لمحاورته بالقول: إنني يا سيدي شاب سوري أولعت بكتاباتك وخصوصاً بكتابيك (الرجوع إلى متوشالح) و(حياة جان دارك)، وإن هذا الإعجاب قد دفع بي إلى محاولة التشرف بالتحدث إليك)، وهو الذي حوقل مبتسماً من (شر) مقابلة العظماء.

ليخبره (مثو) بنية زيارة أسواق دمشق وآثارها، وبذكاء انتزع منه جواباً عن قصد رحلته في جمع مواد كتاب في موضوع شرقي، هو (محمد) (ص) نبي الإسلام العظيم. كان (شو) يجله كواحد من بضعة عظماء في التاريخ من أمثال سقراط ومايكل أنجلو، لكنه لم يجب عن سؤال مباغت عن (الصهيونية) متعللاً بأنه لا يفهم السياسة!

واستفاض (شو) في موضوعة معاملة الشرقيين للمرأة، وما يتصل بدراسته لسيرة النبي العربي الكريم (كان من أكبر أنصار المرأة الذين عرفهم التاريخ، وقد كان للمرأة أكبر الأثر في عظمته).

عند هذا الحد أنهى (شو) حواره، وشغل بإمضاء بطاقات المعجبين، وهو المعروف عنه أن لإمضائه قصصاً عجيبة تروى، متخففاً من أسئلة حول: كيف رأى الشام ليوحي بمغزى سياحي، ويكتشف دمشق بطريقته دون أن يضع برنامجاً محدداً للزيارة، لعله حاول أن يتجاوز من رأوها قبله، أي عين (الآخر) الإنكليزي!

هي دقائق مع أكبر كاتب في العالم، كما وصفته صحيفة (الناقد)، التي كانت تصدر في ثلاثينيات القرن الماضي، فيما سمي بالزمن الجميل، والذي زار فيه دمشق مفكرون وأدباء عالميون، في زيارة أشبه ما تكون (الحج الروحي) لأقدم عاصمة مأهولة في العالم. اختفت هذه الصحف وربما استبدلت بها أسماء جديدة. من كان يصدق أن صاحب (الناقد) أديب الصفدي، هو شاب في العقد الثالث من عمره، وأن اسمه اقترن بأسماء كبيرة منها فارس الخوري ولطفي الحفار وسعد الله الجابري، وفوزي الغزي. شباب ثقافة وعقل تجاوز أزمنة سابقة، واتصل بعصور قادمة، وعندما ينادون بالوطنيين السوريين، يفقه الدمشقيون والسوريون الجواب.

العدد 1188 - 25/02/2026