ديمقراطية البيوت

نساء عربيات كُنَّ متحمسات للديمقراطية.. أصبنَ بفيضان الحب بعد ذوبان جليد الانتظار.. ازداد حبهنَّ للشعر القباني، فحفظنَ قصائد عديدة، وأنشدنها بألحان شجية.

وعندما تشققت أكفّ مئات الألوف من شدة التصفيق (للربيع العربي)، وتمزقت ثياب الكثيرات وهن يتدافعنَ قبل شروق الشمس على صناديق الاقتراع.. وبعد مواكبة ما جرى وما يجري في الميادين والساحات العربية، من سلمية الحراك الجماهيري، إلى العنف والقتل والإرهاب والخطف والتنكيل بالعباد  والمواطنين الأبرياء، أصبحنَ بذكاء يميزنَ بين ديمقراطية صناديق الانتخابات وديمقراطية البيوت. ولم يجدنَ فرقاً كبيراً بين الديمقراطيتين. فالزوج في البيت حاكم مستبد وهو الآمر الناهي.. ومن يدعي الديمقراطية العربية الجديدة وأن صناديق الانتخابات هي الفيصل، لم تك مؤشرات ما بعد النجاحات قد حققت هذه الديمقراطية، بل كانت مفاجأة للمرأة العربية بأنها أصبحت حقلاً لتجريب مشايخ الفتاوى، التي أحدثت ضرراً كبيراً وشوهت صورة المرأة العربية والإسلامية، وغذت القلق المتزايد بالسوءات والدونية، خاصة فتوى (نكاح الجهاد).

وكرمت الأحزاب النساء دون تفرقة بين أم سلوان وأم بيسان، وأقامت لهنَّ الاحتفالات والسهرات في المطاعم الفاخرة. وغدا الأزواج المختلون وأرباب السوابق والمعتوهون يتأبطون أذرع زوجاتهم في النهار على مرأى الناس من مختلف الملل والأجناس، دون حساب للرقيب من أية جهة كان.. ولا تخلو جلسة عائلية بحضور الصبيان والبنات من حديث عن ديمقراطية العائلة والتشاور بمئة قضية وقضية، والإصغاء لمطالب الزوجات والقاصرات قبل فقدان المواد من الأسواق وجنون الأسعار وموت الفرحة في القلوب بعد  النكبات والأضرار الجسدية والنفسية والعقلية والموت البطيء للمواطن.

وعرفت النساء أن ديمقراطية البيوت لم تدم طويلاً. وبعد أن حلَّ الخراب بسورية ومصر والعراق وامتداد النيران إلى أرز لبنان، اختصر الرجال الحديث عن الديمقراطية وعادوا إلى سابق عهدهم، بأن قسموا الديمقراطية إلى قسمين واستخدموا أسلوبين: واحد للنوم وواحد لكرم الضيافة.

كادت النساء أن يصبن بالجنون من كثرة الفتاوى والمجون عن نكاح الجهاد، وأسماء ومصطلحات لم يسمع بها أحد عن أشكال الزواج لساعة وفك النكاح بنكاح آخر.. وهكذا.

ومن أقدم ديمقراطيات البيوت في العالم (ديمقراطية البيت الأبيض)، فهي التي زوَّدت العالم النامي في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا بثقافة الديمقراطية، وصدَّرت إليها خطط عمل عن أصول الانتخابات ومشاركة ممثلين من منظمات المجتمع المدني، وإعطاء دروس للنساء كيف يدافعنَ عن حقوقهنَّ، وكيف يعشن مواطنات صالحات يشاركن بملء حريتهنَّ إلى جانب الرجال بجميع الأعمال..لكنَّ الديمقراطيين في البيت الأبيض لم يفطنوا إلى أن المرأة مثلاً في السعودية لم  تمارس في القرن الحادي والعشرين حق الانتخاب وحق قيادة السيارة وحق تأبّط ذراع زوجها والسير بجانبه، كحد أدنى من أبسط الحقوق لإنسانية هذا الإنسان!

العدد 1195 - 23/04/2026