هل يصبح مقهى الحجاز مقهى ومتحفاً معاً؟

مقهى الحجاز مقهى شعبي عمره أكثر من قرن، أعد ليكون استراحة للمسافرين إلى الأردن والحجاز بواسطة الخط الحديدي الحجازي الذي أنجز تشييده عام ،1908 وطوله من دمشق إلى المدينة 1400 كم، وكانت الرحلة تستغرق 55 ساعة بسرعة 25 كم/ساعة. وقد صمم بحيث تتحرك 10 رحلات يومياً في كلا الاتجاهين، لكن على أرض الواقع لم تتحرك سوى 3 رحلات أسبوعياً فقط. يقع المقهى في قلب المدينة بجوار محطة القطار الأثرية، ويبعد بضع مئات من الأمتار عن كل من سوق الحميدية والقلعة وبوابة الصالحية وجامعة دمشق. المساحة الطابقية للبناء قرابة 1000 م2 والحديقة المشجرة بأشجار باسقة مساحتها قرابة 1500 م2 تقدر قيمته بمئات الملايين بسبب سعته وموقعه المتميز في قلب المدينة.

هذا المقهى من ممتلكات شركة الحجاز للخطوط الحديدية مع العديد من المستودعات وغيرها! يعطى كل مرة لما أطلق عليه (مستثمر) مقابل مبلغ محدد كل مرة لفترة سنوات في الغالب، وحددت له تعرفة نحو 45 ل. س. كانت المناضد خشبية أو حجرية، والكراسي جلها من الخيزران، أثاث مريح يتناسب مع الموقع والتراث. تقدم فيه عدد قليل من أنواع المشروبات الساخنة والباردة.جاء (المستثمر) الجديد ليغطي المساحة بمناضد وكراسي من مواد بلاستيكية وليفرض (ضميمة) على الطلب قارورة ماء صغيرة سعة ربع لتر بسعر 25 ل س، فهل يجوز هذا؟ يقول للزبون أحياناً إنها إلزامية وأخرى إنها اختيارية، كما يحلو له! الكثير من المطاعم والمقاصف والمقاهي لا تتقيد بالتعرفات! هذا مسيء جداً لسمعة السياحة خاصة وللقطر ككل!لقد اخترع العرب كلمة (تعرفة) وطبقها بدقة منذ آلاف السنين، ودخلت في لغات أجنبية كثيرة، وتُعلَن على مداخل المطاعم والمقاصف والمقاهي. وهذا إلزامي في العديد من الدول، فيعرف الزبون مسبقاً كم عليه أن يدفع مع الخدمة، مقابل الوجبة التي سيتناولها أو الشراب.. إلخ.

يعمل في هذا المقهى نحو 10 أشخاص، بين إدارة وعمال، أفلا تستطيع إدارة مؤسسة الخط الحديدي الحجازي تعيين هذا العدد أو فرز بعض عمالها، ممن لا عمل لهم، بسبب توقف النشاط النقلي للشركة منذ سنين طويلة، مما يتيح تراكم الأرباح لصالح المؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي بقيم أعلى بكثير مما تحصل عليه من (المستثمرين)، خاصة عندما تعطي العاملين حصة من الأرباح! وتحافظ على هذا الموقع الأثري الجميل دون تشويه وبأسعار شعبية دون (خوات) وتغنيه بملصقات أثرية تجمله ولا تشوهه، فيعود معلماً سياحياً وملتقى شعبياً لعامة الناس، كما خطط له بعيداً عن أهواء ال(المستثمرين)؟ هنالك قوى عديدة تريد محو الذاكرة العربية، فكم قدمت مشاريع لإزالته وبناء مجمع سياحي ضخم مكانه! أين هم أصدقاء دمشق، ليدافعوا عن بقائه دون تشويه، تحت ذريعة الحصول على قبضة صغيرة من الأموال مقابل صرح تاريخي ثمين! كم أعدت خطط لإعادة إحياء محطة الحجاز بإيصال الشبكة الحديثة عبر نفق بطول بضعة كيلومترات من محطة القدم، وأوقف المشروع لأن أيدياً فاسدة وعدوة تريد تشويه مدينة دمشق الأثرية وتريد أن تمنع تحديثها بما يطورها دون تدمير بنائها التاريخي.

من الرشيد ثقافياً واقتصادياً تشييد متحف تاريخي فيه يتضمن توثيقاً لتاريخ بناء الخط الحديدي الحجازي والمعارك التي دارت حوله السياسية والاقتصادية والحربية قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها وللدراسات وللمشاريع ولمعدات النقل الحديدي.. إلخ، التي عملت في القطر منذ تأسيسه قبل أكثر من قرن.يتولى مختصون بالنقل والآثار والتاريخ تصميمه وتجهيزه.كان العرب يكتبون تاريخهم على الصخور على شكل نقوش، ولا تزال موجودة في بادية الصفا وغيرها معرضة لنهب البعثات الأجنبية وغيرهم، وعلى الطين قبل قرون وآلاف السنين.كم نحن مقصرون في حق تاريخنا وفي بناء المتاحف المتخصصة. في بلدان ظهرت إلى الوجود بعد الأمة العربية بآلاف السنين، شيدت كل منها آلاف المتاحف. وفي الوطن العربي الذي كان مهد الحضارات منذ عشرات آلاف السنين لا يحوي إلا أقل من 300 متحف! وفي القطر العربي السوري الذي يوجد فيه قرابة 10 آلاف موقع أثري، عدد المتاحف فيه بالعشرات فقط!

إن تشييد متحف للخط الحديدي الحجازي يضيف معلماً إضافياً لمدينة دمشق، ويفتح الطريق لبناء متاحف كثيرة أخرى على مساره الطويل حتى الحجاز! كم نجني من الفوائد من الجمع بين المقهى والمتحف على مستوى الاقتصاد الوطني؟ يصبح نقطة جذب إضافية لكل زائر للمدينة. يحضر أثاث المقهى على الطراز القديم المتين والمريح يتولى إنتاجه حرفيون مهرة، ويزين باللوحات، مثل لوحات (أبو صبحي التيناوي) رائد فن الرسم الشعبي الساذج والصور للطبيعة والأوابد الأثرية وأنواع الأشجار والأزهار. ويزرع الياسمين والفل وعطر الليل وليلة القدر حول سور حديقته. ويرتدي العاملون الأزياء الشعبية التراثية وتزينه الرسوم والخرائط المناسبة التي تصور كل ما يرى من معالم في مساره الطويل حتى الحجاز. وتقدم فيه باقة غنية من شتى الأعشاب البرية التي تنبت في الوطن العربي والشراب الشعبي، من سوس وتمر هندي ولبن وعيران وكركدي وكمون.. إلخ. مما يتيح للزائر التعرف على شتى الأعشاب الطبية التي تنبت في الوطن العربي.

وبدل التلفاز، يتاح الاستماع إلى الموسيقا العربية، بدءاً من معزوفة (أوغاريت) التي بلغ عمرها آلاف السنين وغيرها الكثير، يختارها موسيقيون عرب يؤمنون بالموسيقا العربية والأغاني الشعبية، مثل أغاني وديع الصافي وفيروز وأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ونصري شمس الدين وصباح فخري والشيخ إمام، الذي يغني أشعار أحمد فؤاد نجم مع عزف على العود وأشعار الزجل. وأن يأتي (الحكواتي) في أوقات مختارة. وأن تتصدر في إحدى زواياه مكتبة للإعارة الداخلية في المقهى فقط، تضم السير الشعبية مثل سيف بن ذي يزن والأميرة الشماء وحمزة البهلوان والظاهر بيبرس، بعد إعادة كتابتها باللغة العربية الفصحى، وعنترة بن شداد ورحلات ابن بطوطة وابن فضلان وغيرهم من الرحالة العرب، ودواوين شعراء المعلقات والمتنبي والمعري والشيخ محيي الدين بن عربي والشعراء الصعاليك وكتب الطقطقي وابن خلدون وألف ليلة وليلة وغيرهم كثير والصحف اليومية، وتكون تعرفات خدماته شعبية في متناول أي مواطن.

بذلك نكون قد أحيينا معلماً أثرياً وفتحنا نافذة جديدة، قد تتلوها نوافذ أخرى في دمشق وحلب واللاذقية والجولان والسويداء وغيرها من المدن والبلدات. والوطن العربي ثري جداً بكنوزه الثقافية والأثرية.

العدد 1140 - 22/01/2025