العلاج بالسخرية
من يقرأ هذا العنوان ربما يسخر منه، ويرى أنه دواء غير نافع، وهو للسخرية فقط، ولا يشفي مريضاً أو يعالج مكتئباً أصيب بالجنون مثلاً من ارتفاع الأسعار الذي لا يطاق لا في الليل ولا في النهار.
ويرى بعض الباحثين عن مصير الإنسان أن للأدب الساخر فوائد جمة، فهو كالندى في موسم الحصاد، يغسل النفوس ويخفف من العصبية وينشط عضلات القلب.
تساءلت وأنا أقلّب حروف هذا العنوان: لماذا لم نعد نقرأ منذ سنوات عن الأديب الساخر عزيز نيسين؟ علماً أنه في العقود الماضية ملأت كتبه واجهات المكتبات، ولم تتوقف الصحف عن نشر الترجمات والمقالات والدراسات عن هذا الأديب الكبير، والمناضل الفقير المعذب الذي طورد واعتقل سنوات في السجون التركية؟
ولم تنتهِ معاناة الإنسان أينما كان في القارات الخمس، في اليابسة أو في أعماق المحيطات والبحار. ونحن الآن أحوج ما نكون إلى من يرفع نسبة الأمل والتفاؤل، ويخفف عنَّا أثقال الحروب والمآسي التي تحيط بنا منذ أكثر من عامين ونصف، ويبدو أن الطريق سيطول. وفي هذه الحال لا بد لي من التذكير بالأديب التركي الساخر (محمد نصرت نيسين) وهو الاسم الحقيقي لعزيز نيسين، المولود في جزيرة في بحر مرمرة لعائلة فقيرة، في 20 كانون الأول عام 1915 ، المتوفى في 6 تموز عام 1995. يصنف على أنه أحد الأعمدة السبعة للقصة في العالم. ويمكن للكتاب أن يبدؤوا بقراءة وتحليل القصص الساخرة وإعادة نشرها لعزيز نيسين وغيره من الكتاب الساخرين، لما لها من معان ودلالة وأبعاد إنسانية، إضافة إلى أنها تثير الضحك والتهكم، ويمكن أن تكون علاجاً لبعض المصابين بزهايمر هذا الزمن!
وعن بدايات نيسين، هذا العسكري في (قارص): كان يكتب الشعر والقصص القصيرة. ولما كانت كتابة العسكريين غير مستحبة لا في تركيا وحدها، بل في الأنظمة الشمولية كلها، لأن العسكر (ملكية) لهذه الأنظمة فهم مراقبون، حتى همساتهم تكون مرصودة وكذلك حركاتهم وتنقلاتهم. فكيف إذا كان العسكري مبدعاً وساخراً من ممارسات هذه الأنظمة، وحليفاً للفقراء والمهمشين؟ لذلك وخوفاً من السجن اتخذ محمد نصرت له اسماً حركياً، وبدأ ينشر القصص في مجلة (الأمة) اليمينية التي تصدر في أنقرة، ثم صدرت هذه القصص فيما بعد عن دار (الرجل الجديد). أما أشعاره فبدأ بنشرها منذ عام 1937 باسم (وديعة نيسين) في مجلة (الأيام السبعة).
تأخر نيسين في نشر إبداعه، وبدأ النشر وهو في سن الأربعين. وكان هاجسه منذ طفولته كما يقول، أن يدفع الناس للبكاء. وما أدهشه أنه عندما قدم إحدى قصصه إلى رئيس تحرير إحدى المجلات، فرئيس التحرير بدلاً من أن يبكي أظهر عدم فهمه للقصة بضحكة عالية حتى سالت دموعه!
وفي قصة بعنوان (ألا يوجد حمير في بلدكم؟) زار تركيا أستاذ جامعي من الولايات المتحدة، باحثاً عن الآثار والسجاد الشرقي. ونزل ضيفاً عند أستاذ آخر.. وخرجا يوماً إلى قرية فيها بعثات تنقيب عن الآثار.. وشاهدا عجوزاً تحت شجرة وإلى جانبه حمار هزيل، وعلى ظهر الحمار بساط عتيق مهترئ.. وأثناء مساومته على بيع الحمار، طلب العجوز عشرة آلاف ليرة. وبعد طول عناء قبض العجوز 2500 ليرة. ورفض أن يترك البساط على ظهر الحمار. وبعد أن تركاه بدأ ينادي لهما بأن يعودا ويأخذا (الوتد) معتذراً من نسيانه!
وكشفت الدراسات الطبية والنفسية والبيئية، أن الدواء لعلاج الأمراض ليس فقط من المواد الكيماوية والطبيعية، بل بينت أن الأدب الساخر يشفي بعض الأمراض العصبية والنفسية.. من هنا على الكُتّاب والصحفيين والمثقفين أن يبدؤوا بنشر المقالات والدراسات عن هذا النوع من الأدب، لما له من فائدة في زمن تدهور الحالة النفسية عند الناس، لأسباب اجتماعية ومعيشية وسياسية وغيرها.