أربع سنوات قاسية.. والحل السياسي هو المخرج.. الاقتصاد السوري إلى أين؟!
بعد أربع سنوات من اندلاع حرب عبثية أشعلها الحقد. ونفخ في نارها أعداء سورية في الداخل والخارج، آن للمساعي الدولية،والداخلية أن توقف النزيف،وأن تتوجه جهود المجتمع الدولي إلى المساعدة في لجم المجموعات الإرهابية في سورية التي باتت تشكل خطراً إقليمياً.. بل دولياً. هذا ما ينتظره شعبنا من المبادرة الروسية..والحوار السوري – السوري المرتقب في موسكو.
أربعة أعوام والأزمة تعصف باستقرار مجتمعنا، وما زالت الدماء تسيل في مختلف المناطق، ويستمر التخريب الإرهابي المتعمد لكل ما أنجزته الأيدي العاملة الخيرة في العقود الماضية، وتتساقط منشآتنا الحيوية وقطاعاتنا المنتجة.. وبيوت المواطنين وأملاكهم مهدمة.. أو محروقة.
لن نعود إلى ما سبق أن كتبناه عن حزمة الأسباب التي مهدت لاندلاع الأزمة، وكيف استغلت الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها تحركات الجماهير السلمية، وسلطت على سورية عتاة الإرهابيين (القاعديين)، بهدف إجهاض أي تغيير سلمي باتجاه الديمقراطية. لكننا سنتطرق هنا إلى عاملين اثنين كانا الأبرز في مراكمة غضب الفئات الفقيرة والمتوسطة وجميع الطامحين إلى مستقبل سوري ديمقراطي.. معادٍ للإمبريالية الأمريكية والصهيونية يضع حرية الوطن والمواطن وكرامتهما فوق أي مصلحة أخرى. ونؤكد في الوقت ذاته أن هذه العوامل والأسباب تبقى أموراً تخص السوريين وحدهم، وهم قادرون على حلها بوسائل سلمية دون تدخل خارجي:
1- فعلت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية فعلها في العقد الماضي، فقد أثارت غضب الجماهير الشعبية التي شعرت بعد معاناتها المعيشية أن الدولة تراجعت عن دعمها للفئات الفقيرة والمتوسطة، وانحازت إلى الفئات الثرية، المالكة، المستثمرة، وللأغنياء (الجدد)، في الوقت الذي كانت فيه جماهيرنا الشعبية تنتظر تحقيق وعود الخطط التنموية، للخلاص من الفقر والبطالة والتخلف، وإعادة توزيع الدخل الوطني بين فئات المجتمع استناداً إلى مبادئ العدالة الاجتماعية.
2- طموح الشعب السوري إلى التعددية والديمقراطية، وهو المطلب الذي عبّرت عنه أيضاً قوى سياسية وطنية قبل الأزمة، وخلالها. فاستمرار وجود حزب واحد على رأس الدولة والمجتمع بموجب تشريعات سنّت منذ عقود، كان عاملاً في استبعاد الآخر الوطني،وغياب التداول السلمي للسلطة،وفتح المجال لارتكاب التجاوزات وغياب المحاسبة، مما ترك آثاراً سلبية على العلاقة بين السلطة السياسية وأفراد الشعب.
لن نمضي بعيداً في الأسباب السياسية والاقتصادية، بل سنعرض هنا ملخصاً للمشهد الاقتصادي والاجتماعي خلال هذا العام،ومحدودية التدخل الحكومي وقصوره في معالجة الآثار الاقتصادية للأزمة، وانعكاسها على الوضع الاجتماعي للجماهير الشعبية.
الحصار والإرهاب وتراجع الإيرادات
استمرت تداعيات الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرضته الولايات المتحدة وشركاؤها على اقتصادنا الوطني،مما صعّب على الحكومة والقطاع الخاص تدبير مستلزمات الإنتاج..والمواد الأساسية لحياة المواطنين السوريين، وفي الحالات التي أمكن تأمين بعض هذه المستلزمات والمواد،كانت أسعارها مرتفعة جداً قياساً إلى تراجع قيمة الليرة أمام القطع الأجنبي،مما أثر سلباً على الحياة المعيشية للمواطنين، وعلى الجهود التي تبذلها القطاعات الصناعية العامة والخاصة بهدف العودة إلى تدوير عجلات الإنتاج.
كذلك لم يتوقف التخريب الإرهابي الممنهج للبنية التحتية في عديد المناطق السورية،وكان قطاعا الكهرباء والنفط، وهما القطاعان الأكثر تأثيراً في باقي القطاعات الصناعية والزراعية المنتجة،هدفاً لمزيد من التخريب والنهب، فارتفعت خسائر قطاع الكهرباء المباشرة نتيجة الاعتداءات على محطات التوليد والتحويل إلى نحو 270 مليار ليرة، إضافة إلى 850 مليار ليرة قيمة الأضرار الناجمة عن انقطاع التيار الكهربائي وعدم تزويد القطاعات الصناعية والخدمية بالكهرباء. أما خسائر قطاع النفط فقد بلغت نحو 23 مليار دولار منها 3 مليارات أضرار مباشرة والباقي فوات بيع وربح.
إن تراجع مساهمة قطاعي الصناعة والزراعة في العملية الاقتصادية يعني ركوداً في بقية القطاعات المولدة للدخل والأرباح، وتراجعاً في تأمين فرص عمل جديدة،ونقصاً في تأمين عرض البضائع والسلع في الأسواق،مما يؤدي إلى عجز الصناعيين والمزارعين المدنيين للمصارف عن الوفاء بالتزاماتهم، وكل ذلك يؤدي في النهاية إلى تراجع إيرادات الخزينة العامة التي شهدت انخفاضاً واضحاً، فتراجعت نسبة التحصيل الضريبي بنحو 65%، وارتفع عجز الموازنة إلى أكثر من 6 أضعاف ماكان عليه في عام 2010.
وكان القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تضرراً، لا بسبب تقلص المساحات المزروعة بنسبة تبلغ نحو 35% فقط، بل بسبب هجرة اليد العاملة الزراعية، وصعوبة تأمين مستلزمات الزراعة من بذار وسماد وعلف،فانخفضت نسبة اليد العاملة الزراعية في حجم اليد العاملة السورية من 30% عام 2001 إلى 13% عام ،2012 أما الهم الأكبر فكان تأمين المازوت اللازم لعملية الري، بعد زيادة أسعاره، وصعوبة وصول الإمدادات الحكومية إلى المناطق الزراعية في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد، وهذا ما تسبب في انخفاض كميات المحاصيل الاستراتيجية وبقية المحاصيل، وزاد في الأمر صعوبة تسليم هذه المحاصيل إلى المؤسسات الحكومية، بعد سيطرة الإرهابيين على مناطق زراعية واسعة، ومنع المزارعين فيها من التعامل مع الدوائر الزراعية الحكومية، فتراجعت كميات القمح المسلمة إلى الدولة في عام 2014 إلى أقل من 600 ألف طن، في حين تبلغ حاجة البلاد للاستهلاك الداخلي بحدود 3 ملايين طن.
بيانات.. بيانات ووعود
ورغم الخطط والوعود الواردة في وثيقتي الحكومة الرئيسيتين في هذا العام، وهما البيان الوزاري ومشروع موازنة الدولة لعام 2015وأهمها تشجيع القطاعات المنتجة،وخاصة الصناعة الوطنية بشقيها العام والخاص،ورغم بيانات المسؤولين الحكوميين وتصريحاتهم المغرقة في تبسيط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية..وقرب انتهاء معاناة القطاعات المنتجة والفئات الفقيرة، جاءت القرارات (غير الشعبية) برفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة قاربت 30%، وزيادة الرسوم والضرائب المباشرة بنسبة 100%، وأخيراً تخفيض الرسوم الجمركية على مستوردات الألبسة الجاهزة من 80 إلى 30% لتقضي على أي أمل بتحقيق الوعود..ولتطرح ألف علامة استفهام عن جوهر السياسات الاقتصادية للحكومة.
الوثيقتان سكتتا أيضاً عن القدرة الشرائية للمواطن السوري الذي اكتوى بنيران الارتفاعات المستمرة لأسعار جميع المواد والسلع، والتي تجاوزت وسطياً نحو 05_%، بسبب الحصار الجائر وتضرر القطاعات المنتجة وارتفاع سعر القطع الأجنبي الذي تجاوز في بعض الأحيان 400%، مما أدى إلى ضعف الطلب الداخلي من جهة، وازدياد معاناة الفئات الفقيرة والمتوسطة إلى درجة قاربت المجاعة. صحيح أن حل المعضلات الاقتصادية الناتجة عن الأزمة يقوم على قاعدة (السياسي)، لكننا أكدنا مراراً أنه لايجوز تحميل الفئات الفقيرة والمتوسطة وحدها عبء متطلبات الصمود السوري،خاصة بعد مصطلح (عقلنة الدعم) الوارد فيهما والذي ارتبط دائماً برفع الأسعار وتجميد الأجور بدلاً من توجيه الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين وهم الفئات الفقيرة والمتوسطة. لقد انضم نحو 5 ملايين مواطن إلى خانة الفقر، منهم نحو 3 ملايين مواطن في حالة أقرب إلى الفقر المدقع.
أولويات المرحلة المقبلة
جاء في التقرير الاقتصادي الذي أقرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الموحد بتاريخ 12 كانون الأول 2014:
(إن أولويات المرحلة المقبلة التي ينبغي أن تكون على رأس مهام الحكومة وعملها الفعلي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
1- توفير المستلزمات الضرورية لحياة المواطنين بأسعار مدعومة تتناسب مع إمكاناتهم الفعلية وقدراتهم الشرائية، وذلك بتطوير وتوسيع الدور التدخلي الإيجابي للمؤسسات العامة في التجارة الخارجية والداخلية.
2- توفير الظروف المناسبة لإعادة ما يمكن من النازحين والمهجرين داخل الوطن وخارجه وتخليصهم من حالة الذل والمهانة والمتاجرة التي يواجهونها في العديد من الدول التي لجؤوا إليها.
3- تأكيد دور الدولة الإنمائي والرعائي، وتملّكها وإدارتها للمرافق الاستراتيجية، وتلك المتصلة بالسيادة والأمن الوطنيين، وأهمها الاتصالات والطاقة والمياه والمطارات والموانئ والثروات الباطنية.. وذلك باعتماد أسلوب عصري لإدارة وتشغيل الجهات العامة المعنية بهذه المجالات، يضمن نجاحها وجودة أدائها وخدماتها.
4- تقديم التسهيلات الفورية الضرورية للمنتجين في قطاعات الزراعة والصناعة والنقل ومعالجة مسألة تعويض المنتجين المتضررين من الأحداث ودفع جزء معقول من استحقاقاتهم، لتمكينهم من إعادة تشغيل منشآتهم واستثمارها وتحريك عجلة الإنتاج واستيعاب العاملين العاطلين عن العمل.
5- تشكيل فرق عمل قطاعية متخصصة من الجهات الحكومية المختصة وممثلي القطاع الخاص المعنيين والخبراء المختصين لوضع التصورات والبرامج المادية والزمنية الفورية والقصيرة الأمد لتأهيل القطاعات الاقتصادية الأساسية وإعادة تشغيلها..
6- اتخاذ المواقف العملية والجادة فيما يتعلق بمكافحة الهدر والفساد والتهرب الضريبي، واعتماد مبدأ (من أين لك هذا؟) من أجل الحفاظ على المال العام واسترداد المنهوب منه واستعادة وتعزيز ثقة المواطن والتزامه بوطنه وواجباته لتوفير المزيد من الموارد المالية التي تساهم في عملية إعادة البناء.
7- التأكيد على التعددية الاقتصادية – التفاعلية وليست الشكلية، وبشكل شفاف بعيد عن المحاباة والانحياز لهذا المستثمر أو ذاك – مدخلاً أساسياً لتنفيذ السياسات الاقتصادية في المرحلة الحالية والمستقبلية، ومن هذا المنطلق تبرز ضرورة تأييد دعم القطاع الخاص الوطني المنتج وتشجيعه على الاستثمار، وبشكل خاص في المجالات الإنتاجية وفي المناطق النامية والمتضررة بسبب الحوادث، وتوفير البيئة التمكينية له في هذا المجال وحمايته ودعمه دعماً فعالاً لمواجهة المنافسة غير العادلة التي تواجهه في السوق المحلية وأسواقه الخارجية.مع التأكيد على ضرورة تحقيق الشفافية في إصدار القرارات المتعلقة بتحديد دور ومجالات عمل القطاع العام والخاص بحيث لاتفصّل – كما في كثير من الأحيان- لصالح شخصيات ومراكز نفوذ معروفة ومحددة مسبقاً.
8- إقرار وتنفيذ برنامج متكامل لإصلاح القطاع العام في أقرب وقت ممكن وضمن فترة زمنية قصيرة يضمن توفير البيئة التشريعية والتنظيمية والإدارية والمالية المناسبة التي تضمن نجاحه.
إن استمرار الأزمة يعني استحالة استقرار الأوضاع الاقتصادية للبلاد، ويعني أيضاً استمرار معاناة الجماهير الشعبية، التي لم يبقَ لديها ما تواجه به الصعوبات المعيشية وارتفاع الأسعار، في الوقت الذي تبرز فيه حزمة من أثرياء الحرب والمحتكرين والفاسدين الذين ارتبطت مصالحهم باستمرار الأزمة السورية.إن نهاية مرحلة الركود الاقتصادي مرتبطة بالقضاء على الإرهاب الذي تمثله داعش والنصرة،وبقية المجموعات الإرهابية،ووقف نزيف الدماء ونجاح المساعي الدولية والداخلية لإنهاء الأزمة السورية.