الحوار واكتساب التلاميذ مهاراته الحياتية..!
منذ أن طُرِحت المبادرة الرئاسية للحوار الوطني، لا يكاد يمر يوم إلا وتتكرر فيه عبارة (الحوار الوطني) عشرات، بل مئات المرات، سواء عبر الشاشات أم عبر الصفحات الورقية والإلكترونية أم عبر الإذاعة.. وبات الناس في توق إلى الحوار، وكأننا كنا مخدرين في العقود التي مضت، وجاهلين بكلمة تدعى الحوار!
أصبح الحاكم يريد الحوار مع رعيته، ومدير المعمل يريد الحوار مع عماله، والمدرّس في المدرسة يريد الحوار مع طلابه، وباتت الزوجة تسعى للحوار مع زوجها.. وكأننا – للأسف – قد استفقنا من كبوتنا على هذا المصطلح الغريب العجيب حديثاً.
إذاً خُلِق الحوار مع بداية الخلق كنتيجة حتمية لاختلاف العقول واختلاف الثقافة واختلاف الفهم، ولكن هل كنّا بحاجة إلى كل ما حدث كي نعي أهمية الحوار وضرورته في حياة الشعوب؟! هل قدّرنا الآخر واعترفنا ضمنياً وعلنياً بحقه في الحياة والعيش الكريم والواجبات والحقوق؟! كم كنا سنقلل من حجم الخسائر والضحايا والغصّات والدموع والقهر، لو قدّرنا هذا المصطلح حق قدره؟!
لن أخوض في سرد ما كان، وما يجب أن يكون خوفاً من أحد ولا طمعاً بشيء، بل سأنتقل ضمن هذا الموضوع (الحوار) للحديث عن المحاضرة القيّمة التي أقامها المركز الثقافي في الدريكيش، وكانت بعنوان (الحوار واكتساب التلاميذ مهاراته الحياتية).
المحاضرة للآنسة ضحى إبراهيم، الحائزة على إجازة في التربية- قسم مناهج وتقنيات وماجستير في طرائق التدريس. وقد ركّزت في البداية على الدور الكبير للطلبة والتلاميذ في المرحلة القادمة، وضرورة امتلاكهم ناصية الحوار، والقدرة على المناقشة وتبادل الآراء وامتلاك المهارات الحياتية التي تعد من أهم الأهداف للتربية المعاصرة، والتي تأتي في مقدمة المهام الجديدة للمعلّم في القرن الحادي والعشرين.. إذ تركّز المنظمات الدولية والإقليمية اهتمامها الشديد على ضرورة تعليم هذه المهارات وإدماجها في المناهج الدراسية، وصولاً إلى أن يصبح الاعتماد على الحوار هو السبيل للتفاهم، وحل الخلافات والمشكلات مهما تعددت وتمايزت. وسوف آتي على بعض العناوين في المحاضرة، دون التوسّع فيها، كي لا أطيل على القارئ الكريم.
مشكلة الدراسة وأسئلتها
من المعروف أن القائمين على العملية التربوية، سواء أكانوا معلمين أم مديرين أم موجهين أم مؤلفين أم واضعي المنهاج، مازالوا يختزنون بعض السمات الأساسية للتربية التقليدية القائمة على السلطوية والتلقينية، إذ يسود الإهمال في تعليمنا لمعظم المهارات الحياتية، ومنها مهارات الحوار التي تتضمن (الاستماع، المحادثة، حرية التعبير، احترام الرأي الآخر، الاعتراف بحق الآخر بالاختلاف.. إلخ). إن الإهمال في تعلّم هذه المهارات سينعكس أيضاً على واقع عملية التعليم بمجملها، إذ ينحصر دور المعلّم هنا في حشر المعلومات في رؤوس تلاميذه، مما يجعلنا نقف أمام سؤالين: كيف يتشكل مفهوم الحوار لدى المتعلم في المدرسة؟ والسؤال الآخر هو: كيف يترسّخ هذا المفهوم في التعليم ليصبح مهارة يمارسها المتعلم في مواقف الحياة المختلفة؟
مفهوم الحوار وشروطه وأهميته الحياتية
أكدت الآنسة ضحى أن الحوار هو شكل من أشكال المناقشة، وهذا يعني أنه يدور بين طرفين مختلفين في الآراء، متعارضين في وجهات النظر، يسعى كل منهما لإقناع الآخر بوجهة نظره في قضية جدلية.. وغالباً ما ينتهي الحوار إلى مناقشة للتوصل إلى نتيجة، وبهذا يكون الحوار هو الأداة الرئيسة المستخدمة في المناقشات، وهو الطريقة المثالية لفرز الحقائق وغربلة القيم بإعمال الفكر النقدي في الأفكار المطروحة من قبل المتحاورين، وإخضاعها للتحليل، والتمحيص تمهيداً لاستخلاص النتائج. ومادام السعي للسير في قطار الديمقراطية حثيثاً، فإن الحوار يجسد الصفات الأساسية للعملية الديمقراطية، إذ يقوم على الاعتقاد بأنه عندما تتوافر المعلومات الكافية للأفراد فيما يتعلق بقضية ما، ويتاح لهم المناخ الذي يسمح بتبادل الأفكار والآراء بحرية كاملة، فإنهم بالتأكيد سوف يكونون قادرين على اتخاذ القرار المناسب والوصول إلى نتائج جيدة ومقبولة من الجميع. طبعاً هذا بشكل عام.. أما فيما يتعلق بالتلاميذ، فعليهم أن يتقنوا مهارات الحديث والاستماع والكتابة، وكذلك مهارات العلاقات الإنسانية التي تمكنهم من العمل مع الآخر كفريق واحد.
أضافت المحاضِرة أن تحوّل مفهوم الحوار إلى مهارة يقتضي التدرّب عليه والانتقال من تعلمه بشكل نظري إلى المحاكاة والتكرار المنتظم والحكم والاستبطان.
إن التحاق الطفل بالمدرسة يغيّر طابع حياته جذرياً، إذ تضع المدرسة أمامه مهمة الاستيعاب المقصود والمتتابع للمعارف، وتكوين المهارات والسلوكيات، مما يستدعي بناء مختلفاً للنشاط المعرفي، إذ تطرأ عدة تحولات في حياة هذا الطفل، كتوسع البيئة الاجتماعية المحيطة به، وتوسع ثقافته وتغير مكانته في المجتمع، كما يتغير طابع اختلاطه مع الناس المحيطين به.
وعن كيفية تعلّم التلاميذ للحوار في مدارسهم، أوضحت الآنسة ضحى أن المعارف تكتسب قيمتها بتطبيقها العملي، ولا يمكن هذا التطبيق إلا عند وجود القدرة على ذلك، وليست القدرة إلا اكتساب التلميذ الاستعداد والتهيؤ للقيام بالأفعال التي يجب أن ينفذها بوعي وعلى أساس من المعارف المستوعبة سابقاً.. ومن هنا أصبح المعلم مطالباً بتشجيع طلابه على إبداء آرائهم بحرية تامة في مجمل القضايا بعيداً عن ممارسة سلطته المطلقة.
دور طرائق التدريس القائمة على الحوار
في إكساب التلاميذ مهارات الحوار
إن طرائق التدريس التي تعتمد الحوار تجهد لتوجيه المتعلم باتجاه التفاعل مع الموقف التعليمي ومساهمته في الوصول إلى المعرفة، وتقوم على المساءلة وتبادل الأفكار وإشراك المعلمين والمتعلمين في العملية التعليمية. ومن محاسن هذه الطرائق:
– تشجيع التلاميذ على احترام بعضهم لبعض وتنمي روح الجماعة لديهم.
– تسهم في خلق الدافعية عند التلاميذ، مما يؤدي إلى نموهم العقلي والمعرفي من خلال القراءة استعداداً للمناقشة.
– تجعل المتعلم محوراً للعملية التعليمية بدلاً من المعلم.
– تدرّب التلاميذ على مواجهة المواقف وعدم الخوف أو الحرج.
– تنمي في التلاميذ احترام آراء الآخرين وتقدير مشاعرهم.
– تساعد على تكوين شخصية سوية للتلاميذ.
– تدرّب التلاميذ على الاستماع لآراء الآخرين واحترامها.
القدرات التي يجب أن يتحلى بها المعلّم
يعدّ المعلّم حجر الأساس في نجاح عملية الحوار في المدرسة، وهناك أشكال من القدرات التي عليه أن يمتلكها، يأتي في مقدمتها قدرته على التعاون مع التلاميذ في استخراج النقاط التعليمية التي تغطي الدرس والقدرة على قيادة الحوار بما يكفل إشراك جميع التلاميذ، إضافة إلى قدرته على التعامل مع الأسئلة المتنوعة التي يفرزها الحوار.. وطبعاً دون أن ننسى – تضيف الآنسة ضحى – قدرة المعلم على اكتشاف الفروق الفردية بين التلاميذ، وخاصة في مجال الذاكرة والتفكير.
الأستاذ محمد خضر، مدير المركز الثقافي في الدريكيش، علّق في نهاية المحاضرة على ضرورة الحوار بين المرء ونفسه، وضرورة امتلاك الجرأة للنقد الذاتي بشكل صحيح ودقيق. الحوار يقتضي أن يكون المرء صادقاً مع نفسه أولاً، ومع الآخر ثانياً.
أخيراً: كان اللقاء غنياً بأسئلة الحضور، من الطلبة ومن المدرسين.. وبقي أن أشير إلى اشتراك الآنسة غنوة، مدرّسة اللغة العربية في مدرسة أمين دبرها، في اللقاء، وقد أغنت المحاضرة بتحليلاتها ومداخلاتها أيضاً.