الانتحار..!

حزنتُ وتألّمتُ كثيراً.. شعرتُ أن الدماء تذرف من عينيّ بدلاً من الدموع، وأنا أراقب حلماً معلقاً بحبل في شجرة يخرج الزبد من فمه. وجاء من يضعه في تابوت وينقله إلى المقبرة! إذا كان المنتحر حلماً مفترضاً أبكاني وآلمني، فكيف الحال بانتحار إنسان مبدع.. وبعد أن رحل هذا المشهد بقيت صورته معلّقة في سقف ذاكرتي.. عندئذ تساءلت:

لماذا ينتحر الإنسان المبدع ويترك الدنيا لغيره؟!

إن من يقرأ تاريخ الانتحار في العالم، يرى أن هناك أسباباً عدة، أبرزها: (سياسية، اجتماعية، نفسية، قمعية، إبداعية..). ففي الغرب تعود أسباب الانتحار إلى تقييد الحرية الشخصية بسلاسل السلطة، أو من تأثير العزلة والانغلاق، وتأتي الصدمات العاطفية في المقدمة، إلى جانب البطالة وحياة البائسين والمهمشين.

وفي دراسة إحصائية بينت أنه نادراً ما يخلو عبقري من أمارات الجنون، أو التوتر النفسي الحاد. وقام بهذه الدراسة الباحث (فيليكس بوست) عام 1994. وشملت 291 شخصية تنتمي إلى عالم السياسة والفلسفة والعلم والفن والموسيقا والأدب. وقد تميز 50 في المئة من هؤلاء باضطرابات نفسية، أدت إلى شلّهم عن الإبداع في بعض فترات العمر. وترتفع هذه النسبة لدى الفلاسفة إلى 60 في المئة. وأعلى ما تكون عند الأدباء والشعراء إذ تصل إلى 70 في المئة. وتنخفض لدى الرسامين والموسيقيين ورجال السياسة إلى 30 في المئة.

لقد أصيب شوبنهاور بجنون العظمة وعقدة الاضطهاد، وكان يعتقد بأنه ملاحق. ولم  يكن أحد يستطيع أن ينزع من رأسه تلك الفكرة التي تقول (إن هناك مؤامرة كونية تحاك ضده من أجل خنق عبقريته والقضاء على إبداعه الفلسفي). وفي عام 1814 عندما كان عمره 26 سنة، راح يقارن نفسه بالسيد المسيح، ويرى أنه مبعوث لهداية البشر إلى طريق الحقيقة.

وقال جان جاك روسو: (من كان يسمعني لو أردت أن أكون نبياً؟). وكان مصاباً بعقدة الاضطهاد. ويعتقد أن هناك مؤامرة جهنمية تحاك ضده في كل مكان.. وكان يشك حتى بأصدقائه المقربين منه، مثل (ديادرو وهيوم وفولتير..). ويمكن أن يصل قلق العباقرة إلى درجة الانهيار الكامل (الجنون الحقيقي). وهذا ما حصل للموسيقار (روبيرت شومان)، الذي قال لأصدقائه عام 1854 : (أريد أن أدخل المصح العقلي.. لقد انتهيت. أنا لم أعد مسؤولاً عن تصرفاتي.. أرجوكم اسجنوني..!).

وصرح ألبير كامو لأصدقائه، بأنه يشعر بأن الخواء الداخلي يكتسحه كلياً، وأنه مليء باليأس القاتل. ولا يستبعد أن يلجأ إلى الانتحار لحل مشكلته.. والواقع أنه مات في حادث سيارة! أما الحادثة المشهورة للموسيقار الألماني روبيرت شومان، فتبين أن تأزمه وصل إلى حده الأقصى. عندما كان جالساً مع أصدقائه في جلسة سمر في بيته، فترك فجأة الزوار وتوجه مباشرة إلى نهر الراين وألقى بنفسه فيه، بعد أن وصل إلى اتخاذ قرار الموت، لكن الصيادين انتشلوه وأنقذوه من الغرق.

ورغم الأزمات العاصفة الهابَّة على شواطئ بحار العرب، التي مدَّت ألسنتها إلى مدنه وقراه، وحقد الكثيرين ممن ادعوا الصبر والحكمة، لم نسمع أن فيلسوفاً أو شاعراً أو أديباً انتحر مشنوقاً أو غرقاً في نهر النيل أو الفرات أو دجلة أو العاصي، أو رمى نفسه من الطابق الثامن عشر، رغم غضبهم وثورتهم الدائمة ومعارضتهم للأنظمة العربية. إلا أن قلة منهم انتحروا، منهم الشاعر خليل حاوي، بسبب دخول إسرائيل إلى بيروت واحتلالها نصف لبنان، الذي قوبل بصمت عربي مفجع للشاعر!

لقد قلّ عدد المنتحرين المبدعين في العقدين الماضيين، بالنسبة إلى العصور السالفة. وقد عرف العرب ظاهرة الانتحار منذ الجاهلية. وكانت لهم طرقهم الخاصة، كأن يغلق المرء عليه باب بيته ويبقى فيه دون طعام حتى يموت، أو يلقي بنفسه من جبل شاهق، أو يشرب الخمرة بكميات كبيرة كما فعل الشعراء: (زهير بن جناب/ أبو البراء بن مالك/ عمرو بن كلثوم). ويمكننا أن نذكر أسماء أدباء انتحروا في العصر الحديث لأسباب مختلفة منهم: الكاتب والفنان أدهم إسماعيل الذي ألقى بنفسه في البحر، بعد أن وزع الشوكولاته على الأطفال. وأحرق الشاعر أحمد العاصي نفسه وكان في الثلاثين من عمره. وانتحر الكاتب الأردني تيسير سبول، والكاتبات أروى صالح، وعنايات الزيات، ودرية شفيق التي ألقت بنفسها من الطابق السادس. وانتحر الروائي مهدي علي الراضي الذي عاش في المنفى منذ عام 1978.

يقول مصطفى لطفي المنفلوطي: (لا عذر للمنتحر في انتحاره مهما امتلأ قلبه بالهمّ، ومهما ألمَّت به كوارث الدهر، وأزمت به أزمات العيش.. وما خسره أضعاف ما كسبه..!).

العدد 1140 - 22/01/2025