نفوسهم قبور… وصدورهم صخور..
واهمٌ من يعتقد أن القوّة، والثروة، والنّسب الرّفيع، قادرة على جعله أديباً أو رساماً، أو موسيقياً مبدعاً.. ذلك كمن يظن أن السماء لا تمطر إلا من أجله، وأن الشّمس لا تشرق إلا على بيته.
صحيح أن عناصر القوة، والثروة، قد تساعد على شراء المنافقين والمتطفّلين، وأصحاب المصالح الرخيصة، والضمائر الدنيئة، إنما ذلك سينقضي بانقضاء القوة وتلاشيها، وزوال الثروة والمال، فتلميع الصّفيح والتّنك، ودهنه بماء الذهب لن يدوم طويلاً، وستبقى مهمة المكانس كنس عتبات البيوت، وإن كانت مصنوعة من أرقى وأغلى الرّيش والحرير.
وإن طول العمر، لا يدل على كبر القدر، وقصر القامة ليس بالضرورة دليلاً على قصر الشرف والأدب والكرامة. وقلّة المال لدى البعض ليست دليلاً على قلّة العقل، أو قصر في النظر.
إن حالة المعرفة كحالة الطعام والشراب.. لكنها لا تحدث في المعدة بل في العقل، وقلّة من تصيبهم تلك الحالة من الجوع والعطش. وإنّنا في كل زمن تقع علينا مهمة كبيرة، ورسالة عظيمة، هي إعلان الحرب ضد الجهل وفقر العقول.
إن المعرفة للعقل كالماء العذب للنبات والزرع، وجهل العقول ماء مالح يحرق النباتات والورود، ويُميت جذور الشجر.
ولا تُضيء الروح، ولا ينتعش القلب، ولا تطمئن النّفس، إلا بالمعرفة والعلم والثقافة… إنما ذلك لا يحدث لكل روح وقلب ونفس. وهل تُخرج لنا الصخور وإسفلت الشوارع، الورود والياسمين، إذا غذّيناها بأعذب المياه؟! ألا يوجد بيننا قُرّاء، صدورهم كالصخور، ونفوسهم كالقبور؟! يدّعون سمنة العقول واتساع المعرفة، وهم في حقيقة الأمر عميان البصر، وبصيرتهم مطمورة بالتّكبر وقلّة العقل.
( إن بعض العقول المفتوحة أو التي تدّعي الانفتاح – مفتوحة أكثر مما ينبغي، بحيث لا يستقر فيها شيء !).
(أوليس من واجب العلم أن يُجرّدنا من الغرور، ويجعلنا لا نخشى المعرفة، بل المعرفة الكاذبة؟).
إن المنازل الجميلة، بحاجة إلى نوافذ، تُفتح بين وقت وآخر لدخول أشعة الشّمس والهواء النظيف، ولطرد الرطوبة والعفن، وخروج الروائح. كذلك هو عقل الإنسان، بحاجة إلى نافذة تبقى مفتوحة دائماً وأبداً على المعرفة والثقافة والعلم…
المعرفة نور.. والجهل نار..
بالمعرفة تُضاء غرف النفس، وتُطرد العتمة من الصدور، وبالجهل تُحرس وتُجلب الظلمة، وتضيق الصدور وتختنق.
وليس كل من تفرّج على لعب الكبار صار لاعباً، فأن ترى شيء، وأن تجرّب بيديك شيءٌ آخر، وأن تزحف وتطأطئ رأسك وتخفض من كرامتك شيء يختلف عن كل شيء.
وما أكثر الذين يسيرون على أربع، وما أقل من يشبه السيوف التي لا تخترق إلا منفردة.
(افتخر أحد الأغنياء الأقوياء عند أحد الحكماء بما يملك من مال وسطوة، وبآبائه وأجداده وأصالتهم وكرمهم وكثرة شرفهم، فقال له الحكيم: إن كانت هذه الأشياء مما يفتخر به فالفخر لها وليس لك، وإن كان آباؤك وأجدادك كما ذكرت، فالفخر لهم وليس لك، فابحث عن عمل وعلم يكون الفخر والشرف لك فيه خالصاً، فما ورّثتِ الآباء الأبناء خيراً من العلم والأدب، لأنهم به يكسبون المال، وبالجهل يتلفونه).