ترجمة النوايا
طرق هذا العنوان باب ذاكرتي وألحَّ عليَّ، فرضخت للأمر وسجلته على ورقة كي لا أنساه. لجأت إلى المعجم المدرسي للتأكد من معنى (النيّة)، ولتجنب حدوث إشكالية ما.
النيّة: (ما تنويه وتقصده وما عزمت عليه في قلبك من عمل). والنوايا هي الهواجس النائمة والأفكار الكامنة التي تنتظر اللحظة المناسبة لاستكمال تشكلها ووضع خطة لتنفيذها.
هناك مئات (النوايا) تظلّ حبيسة لا تنفَّذ، لعدم وجود مواءمة بين النية والواقع، أو لعدم توافق بينهما، أو وجود تنافر ومخالفة للقوانين والعادات والتقاليد ورغبات الآخرين.
يردد الناس عبارات وأحلاماً وتمنيات من الصعوبة تنفيذها، لأنها تخضع لترجمة الواقع، منها مثلاً: هناك نوايا سليمة ونوايا خبيثة عند هذا الشخص أو ذاك، وهذه الدولة أو تلك. ويقول آخرون: هذا الرجل تدل ملامح وجهه على نيّة الخير، ويبدو أنه رجل سمح محبّ. أما فلان من الناس فتكسو وجهه (طبقة) من النوايا السيئة ويضمر الشر للآخرين.
ومن خلال العلاقات والمتابعات المباشرة وغير المباشرة، يبدو أن هناك تبايناً في التنفيذ، وأن الأمور تأتي متعاكسة في أحايين كثيرة. فصديق مثلاً يبدو أنه قريب من القلب وتدل ملامحه على أنه يحب الخير للناس، لكن سرعان ما تتبدل هذه الملامح (الشقراء) ويظهر وجهه الحقيقي أثناء الممارسة العملية، وتظهر تضاريس الحسد والغيرة (السوداء) على محيّاه التي تكشف عن نواياه المضمرة!
وتمكَّن العلماء في مجال صناعة الروبوتات، بالاشتراك مع خبراء في علم النفس والإدراك، من تطوير روبوت على شكل رجل آلي باستطاعته معرفة نوايا البشر وما يفكرون به. وتلعب هذه الروبوتات دوراً أكبر في حياة الإنسان، وتتكامل معه وتشاركه في اتخاذ القرارات التي تهمه في حياته اليومية.
وكشفت الدراسات النفسية للمراهقين والمراهقات، أن الكثير من الأسر تقع في أخطاء أثناء التعامل مع الأبناء في سن المراهقة، لعدم معرفة التبدلات السلوكية والنفسية، والحكم في معالجة السلوك على أساس الحركة الظاهرية، وعدم معرفة النوايا الحقيقية الكامنة في داخل الأبناء. فالأم التي تعامل ابنتها المراهقة بقسوة وتمارس سلطة السيد الحاكم بأمره عليها، وتحاول في كل دقيقة محاسبتها على كل كلمة تقولها أو حركة تقوم بها دون قصد، ولا تصغي إليها ولا تستمع إلى شكواها، وتقدم النصائح لها، يمكن أن تقع هذه الأم في أخطاء يصعب تلافيها وتصحيحها بسرعة، لأنها لم تتمكن من معرفة الأسرار المختبئة في قلب ابنتها وذهنها.
أرى أن معالجة السلوك الظاهري (المغاير) للواقع، دون وجود نوايا مضمرة ومجهزة مسبقاً يشكل خطأ كبيراً، خاصة إذا تمّ استخدام القسوة والأبوة الصارمة التي يكرهها المراهقون.. وعلى الأم مثلاً أن تستخدم مع ابنتها أسلوب النصح عن طريق تلاوة القصص الواقعية المماثلة لتصرفات ابنتها بشكل غير مباشر، إضافة إلى اعتبارها صديقة لها، وهي الحضن الدافئ الذي يحميها ويحسسها أن أمها صديقة وفية ومخلصة لها.
وعلى المستوى الأعلى في حسابات النوايا والمقاصد، أثبتت الأحداث السورية وتجربة 32 شهراً، أن الصداقة(المفبركة) لبعض الدول الإقليمية والنفطية الخليجية لسورية، كانت تخفي نوايا مبيّتة تهدف إلى تخريب سورية، ودفعت هذه الدول مليارات الدولارات لإسقاط الدولة.. ولكن كشف النوايا ولو كان (غير مبكر) ساعد على إفشال المخططات.. وحسب نواياكم ترزقون..!