ماركس والسياسة
تغييب الجانب السياسي من فكر ماركس، يثير الكثير من الاستغراب والتساؤل، لا سيما أن فكره يشكّل وحدة مترابطة غير قابلة للتجزئة، أو هكذا أراده هو وأصر عليه. وقد حاول بعض الباحثين رد الأمر إلى ما زعموه من عدم تركيز فكر ماركس السياسي في مرجع واحد أو مراجع محددة من كتاباته، وتوزعها على غالبية أعماله، مما يخلق صعوبة في جمع كل ما جاء به في مجال الفكر السياسي. وبغض النظر عن رأينا في هذا التبرير الذي أقل ما يمكن القول فيه إنه ساذج وغير علمي، يبدو لنا أن نزعة التغييب هذه ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمصالح المؤسسات الفكرية والسياسية التي كانت وما تزال سائدة. فنظرية ماركس الفلسفية تقع في مجال لا علاقة مباشرة له بالصراعات الجارية؛ ومن ثم يمكن التعامل معها فكرياً ونظرياً بارتياح دون الشعور بأي خطر مباشر. أما الفكر السياسي، فهو يتعلق بمجال السلطة، وهو مجال واقعي وآني، ويعالج بشكل مباشر ما يجري في الحياة، ويطرح معالجات للوضع القائم، ويتحدث عن صراع طبقات، وأزمات وثورات. ويجب ألّا يغيب عن أذهاننا أن الفكر السياسي يتعرض للدولة الرأسمالية، أو بالأحرى ينصبّ على الدولة الرأسمالية. فالدولة التي عكف ماركس على دراستها بالدرجة الأولى هي الدولة الرأسمالية في أوربا، التي قدم من خلال تحليلها ونقدها مفهومه هو وإنجلز عن الدولة.
وثمة سبب آخر لهذا التغييب في رأينا يرتبط بالسبب السابق الذكر؛ وهو السعي إلى نفي الصفة الواقعية والعملية عن فكر ماركس، وبالتالي التقليل من أهميته ومن إمكانية ارتباطه بالواقع. فإضفاء صفة العالم التجريدي على ماركس تخدم نزعة تحويل فكره إلى مجرد نظريات لا صلة لها بحياة الناس ومشاكلهم. وفي هذا السياق جرى الإغفال، عن عمد، لتأكيد ماركس في أعماله كافة وتركيزه على وحدة الفكر والممارسة، وأُهمل انتقاده الشديد للتجريد. وقد احتج ماركس نفسه على نزعة التجريد، حتى قبل أن يصبح اشتراكياً. ففي رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه كتب يقول إن نقطة ضعف فورباخ (أنه يتحدث كثيراً عن الطبيعة، وقليلاً جداً عن السياسة)، بينما تحقيق القلسفة يجب أن يتحقق بالسياسة. وفيما يتعلق بالادعاء بأن فكر ماركس لا ينطوي على أي فكر سياسي، يقول الباحث في الفلسفة، إن إنكار فكر ماركس السياسي هو إنكار لرؤيته الخاصة لما يجب أن يكون عليه العالم، وهو موقف يتطابق مع الدور الذي حدده هيغل للفلسفة الذي يقول فيه بأن الفلسفة (تأتي دائماً متأخرة للغاية كي تنجز (مهمة)…إصدار تعليمات (بشأن ما يجب أن يكون عليه العالم). وهو موقف مناقض لمفهوم ماركس عن الفلسفة ودورها. في الواقع، إن هذا الموقف يعكس طريقة غريبة في فهم ماركس. فهو يتغاضى كلية عن حقيقة أن ماركس (أصدر تعليمات) بشأن ما يجب ان يكون عليه العالم. (فنظرية ماركس، حسب فهمي وقراءتي، تقدِّم فكراً سياسياً، ينطبق عليه تعريف العلماء للفكر السياسي). لقد ميّز إنجلز في الخطاب الذي ألقاه على قبر ماركس بين ماركس العالم وماركس السياسي الثوري، وأكد التلاحم في شخصيته بين العالم والسياسي الثوري. قال: (… هكذا كان رجل العلم هذا. ولكن هذه الصفة لم تكن أبداً صفته الرئيسية، فالعلم كان في نظره قوة ثورية، محركة تاريخياً، وأياً كان الفرح الذي يغمره به كل اكتشاف جديد في أي من العلوم النظرية الذي لم يكن من الممكن أحياناً حتى اكتشاف تطبيقه العملي، كان فرحه يختلف تماماً عندما كان الأمر يتعلق باكتشاف يمارس على الفور تأثيراً ثورياً في الصناعة…
لأن ماركس كان ثورياً قبل كل شيء.
الاشتراك بهذا الشكل أو ذاك في دكّ المجتمع الرأسمالي ومؤسسات الدولة التي أنشأها، والإسهام في قضية تحرير البروليتاريا المعاصرة التي كان هو بالذات أول من أتاح لها إدراك وضعها الخاص ومطالبها وإدراك شروط تحررها – ذلك كان يشكّل بالفعل رسالته في الحياة. كان مفطوراً على النضال. ولقد ناضل بحماسة وعناد ونجاح لا يناضل به غير القلة).