المهمات السياسية والتنظيمية الملحة والاصطفافات المؤثرة

العجلة المفرطة في مضمار تحصيل المعرفة غير مجدية والمزايدات الكلامية خادعة)!

لينين ـ مقالات أخيرة أوائل عام 1923

 

متى يصبح الحزب السياسي حاجة موضوعية لإنضاج وعي القوى المنتجة والفئات الحرفية والمهمشة وتنظيمها؟

وكيف يتحول إلى مكون رئيسي من نسيج الحركة الناهضة لنيل حقوقها المشروعة، وفي مقدمتها حرياتها السياسية؟

وهل يمكن تنفيذ برنامج للتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي يخدم الأكثرية الشعبية الكادحة، ويبني دولة المؤسسات دون قوى سياسية ممثلة لهذه الأكثرية تضع المهمات الملحة السياسية والتنظيمية في رأس أولياتها؟

لقد راكمت الحركات النهضوية والتحررية في الشرق، وفي بلادنا تجربة غنية للانتقال من الكيان التابع المخلَّف إلى الدولة المستقلة السيدة، وأفادت هذه الحركات من التجارب الكفاحية الناجحة في عدد من بلدان العالم، وحاولت إنضاج الفلاحين والعمال والحرفيين وجذبهم إلى مساندة مشروعها السياسي الوطني الديمقراطي، وقدمت تضحيات كثيرة من أجل إزاحة الفئات المهيمنة والمتنفذة والمعرقلة للتطور الطبيعي، وفئات الكومبرادور التابعة للشركات الاحتكارية، ومن أجل الظفر بالحريات السياسية.

لكن طريق التطور ليس صاعداً أو مستقيماً على الدوام، والأزمات التي عصفت بالعالم في ربع القرن الأخير، إثر تمركز الرساميل واشتداد المنافسة على الأسواق والأزمات المالية والانهيارات – زادت الليبرالية الجديدة وحشية، وتجاهلاً للمعايير المنصفة ولقواعد القانون الدولي، وزادت تشوش الفئات الفلاحية والعمالية والحرفية، وزادت تردد النخب العلمية والثقافية وانكفاءها عن الانخراط في العمل العام، ووضعت تعقيدات كثيرة أمام نشاط القوى السياسية العلمانية واليسارية، واصطنعت عقبات تعيق تحالفاتها الجدية وأعمالها المشتركة، وأضعفت دفاعها المشروع عن حقوق الأكثرية المهمشة والمغبونة.

وقد لفت لينين، منذ بدايات مشروع البلاشفة حتى رسائله ومقالاته الأخيرة، إلى ضرورة التركيز على المسائل الملحة للحركة، وعلى المهمات التنظيمية للحزب البلشفي، وهذه المسائل والمهام رغم تنوعها ما زالت ملحة في البلدان التي أعاقت النخبُ المالية والتجارية الحصرية والمتنفذة الشريكة لها تطويرَ الأرياف وأحزمة فقر المدن فيها، وفي مقدمة هذه المسائل: تجاوز التردد لدى الفئات صاحبة المصلحة في الشراكة الفعلية في إدارة الدولة وفي انتزاع الحريات السياسية، وإنضاج وعي الفئات الشعبية والمنتجة، والانتقال من الاقتصادية المطلبية المحدودة التأثير إلى الانتظام السياسي ذي الآفاق الوطنيية والاجتماعية والمدنية والحقوقية والثقافية الرحبة.

ولم يغفل لينين ما تحقق، لكن الأهداف المطلوبة ما زالت بعيدة، وقد قال أوائل تشرين الثاني عام 1900: (فعلنا الكثير، ويترتب أن نفعل أكثير، فلتطوير الطبقة العاملة والفلاحين سياسياً وتنظيمياً نحتاج إلى توسيع عدد الذين يمنحون معظم وقتهم للدعاية والتحريض)، وأضاف مخاطباً ممثلي الفئات العمالية والفلاحية والحرفية والثقافية المترددة تجاه مقاربة معترك السياسة: (انتظموا، لا في صناديق الإضراب والجمعيات الخيرية (والصناديق الخدمية المماثلة)، بل انتظموا في حزب سياسي)!

هناك خلط بين عملية إنماء الوعي الطبقي سياسياً ذات الأبعاد المتعلقة بروابط الطبقات والفئات جميعها بالدولة والحكومة، وبمواقف بعضها تجاه بعض، وبين المحاولات التي تضفي الطابع السياسي على النضال الاقتصادي والمطلبي، وهذه المحاولات تتعلق بموقف الحكومة من الطبقة، أما إنماء الوعي الطبقي سياسياً فيأتي من خارج النضال الاقتصادي.

وتوقف لينين عند الإساءة التي لحقت بسمعة الثوري في روسيا، ورأى أنها عائدة إلى عجز الحزب البلشفي عن رفع السياسيين المحترفين إلى مستوى الثوريين، وبين خطأ المثل القائل: اصطياد دزينة حمقى أصعب من اصطياد مئة ذكي في ميدان العمل التنظيمي، ورأى أن اجتذاب دزينة أذكياء إلى المنظمة السياسية أصعب بكثير من اجتذاب مئة أحمق!

وكانت فلورا تريستان  مؤسسة الحركة النقابية في فرنسا وبريطانيا أواسط القرن التاسع عشر قد ركزت على اختيار العمال الأذكياء المهرة إلى اللجان النقابية التي تمثلهم، لأنهم أكثر مبادرة وأقدر على حل المشكلات، وأوسع رؤية وأنجح في نشر ثقافة العمل الجماعي والتحرك الاحتجاجي المنظم، وقد سبقت ماركس في إدراك أهمية الوصول إلى العمال والحرفيين والمهمشين في أماكن عملهم وسكنهم، والاطلاع المباشر على ظروف حياتهم القاسية، ومحاورتهم وسماع وجهات نظرهم ومطالبهم، وتحمّل سخرياتهم وتعليقاتهم القاسية والمحبطة.

ومن يدلنا على وسيلة تسعف في تطوير الوعي السياسي لفلاحي الريف وشباب الجامعات وسكان أحزمة الفقر في المدن وربات المنازل دون إرسال كوادر مؤهلة صبورة، ومحاورة بارعة، ومنظمة خبيرة تتقن مخاطبة هذه القطاعات واجتذابها من جحيم معاناتها اليومية إلى فضاء العمل السياسي المنظم.

وما يجعل عدداً من أفكار لينين راهناً، وخاصة ما تضمنته أعماله ومقالاته الأخيرة من فهم لنشاط البرجوازية في مراحل انحدارها وأزماتها، أنه لفت إلى وحشية الرأسمالية، وإلى تخبيلها الشديد لعمال المدن، وقطع صلتهم بالريف كلياً، ففي مقالة كتبها لمناسبة رحيل الروائي الروسي نصير الفلاحين ليو تولستوي عام 1910 عنوانه (تولستوي مرآة الثورة الروسية)، قال فيه: إن فضح تولستوي المستمر للرأسمالية ينقل رعب الفلاحية الأبوية كله، إذ زحف نحوها عدو جديد غير مرئي وغير مفهوم، قادم من مكان ما من المدينة، أو من خارج الحدود، يحطم دعائم الحياة القروية كلها، ويحمل معه إفلاساً لا مثيل له، ويحمل الفقر والموت جوعاً والتوحش والدعارة والسفلس).

ورأى لينين في مقالة نشرتها البرافدا في 2 كانون الثاني عام 1923 أن المهمة الملحة لمواجهة تخبيل البرجوازية لعمال المدن هي جعل عمال المدن والمثقفين فيها ناشرين للفكر الاشتراكي، ودعا الكوادر البلشفية والشيوعيين النشطاء إلى تقوية صلتهم بالريف، دون التركيز على غرس الأفكار الحزبية التنظيمية، ولفت إلى ضرورة الترابط بين المنظمات الحزبية المدينية والمنظمات الريفية لتبادل الخبرة، ونصح بتشكيل اتحادات وروابط من كل شاكلة، ووقايتها من البيروقراطية، وهذا يحقق التقدم مئة مرة ، كما نصح بالاستفادة من المساعدات الصغيرة الإحصائية والتقنية والمالية في كل المواقع، دون حشر أصحابها في أطر السرية التنظيمية.

وإذا كان استلهام تجربة أعلام الماركسية وقادة التحرر الوطني ضرورياً في كل منعطف ومواجهة، فإن الاستفادة من أفكارهم وتعميقها وإغنائها، وتوطينها في البيئة المحلية، وتعديلها بما يتوافق مع خصوصية هذه البيئة ودرجة نضجها الاجتماعي والثقافي والسياسي تعد بمجموعها حاجة لإنجاح المشروع التحرري الوطني، والابتعاد عن مشاريع الهيمنة والتفكيك التي تروج لها الليبرالية الجديدة. وفي مراجعة لأداء الشيوعيين ومعظم اليساريين في السنوات الخمس الماضية،وإبان فصول الأزمة السورية وأزمات المنطقة المتشابكة، نلحظ أن معظم الكادرات وقع تحت تأثير المشهد الصادم للتطور التقني الغربي والتمركز المالي الشديد والاستقواء الإمبريالي المعلن، وغلب الحديث (المناسباتي والعابر) في السياسة على البحث المنهجي عن الأسباب العميقة للكوارث، وعن الأفكار الجدية والمخارج التي تؤمّن انفراجات ممكنة لأزمة مستحكمة ومصنعة، تشابكت فيها خيوط محلية وإقليمية ودولية، وانحدرت خلال سنواتها القاسية سياسات دول كبرى وإقليمية إلى مستوى غض الطرف عن  جرائم منظمة وانتهاكات للمواثيق الدولية، ووصل الأمر ببعضها إلى حد الشراكة المعلنة في هذه الأعمال القذرة مستغلاً تغييب العدالة الدولية، من أجل منافع ضيقة.

وغلب التعميم على المهام التنظيمية والتثقيفية والجماهيرية، دون تحديد للمهمات الملحة المتصلة برفع وعي الفلاحين والعمال وباجتذاب النخب إلى المشروع الوطني الكفاحي، وبزيادة خبرات الكادر كي يتمكن من مساعدة الناس على تجاوز تشوشهم وهلعهم وانكفائهم وإحباطهم. وإذا كان ماركس قد فضّل خطوة عملية واحدة على (دزينة برامج) نظرية مدققة، وعلى (دزينتي مهمات ملحة) مكتوبة على الورق، لا يجري التحقق من تنفيذها، أو المساءلة عن التقصير في ذلك، فإن الأساس في أي اصطفاف مؤثر هو قدرته على مراكمة الخبرة، والاستفادة من الدروس القاسية، واجتذاب أصحاب المصلحة الحقيقية في المشروع التحرري الوطني الديمقراطي إلى ساحة الفعل وتنظيمهم، وإظهار قدرات عملية على الاتصال بالشخصيات الفلاحية والعمالية الناجحة. وبالحرفيين والمثقفين الأذكياء، والاستفادة من عونهم المتعدد الأشكال، من أجل توسيع التنظيم والشراكة الفاعلة في تنفيذ برنامج الحزب، ومن أجل إعادة الاعتبار للسياسة، ولصورة الشيوعي السوري والثوري اليساري عموماً التي تحتاج إلى مقالة مستقلة. ودون هذه الخطوات العملية و(الملحة) يظل الحديث عن (تقوية التنظيم وتوسيعه، واجتذاب الشباب والنساء، والانتقال إلى دولة مدنية تعددية، وتوسيع الحريات، والشراكة في الوطن) مجرد رغبات وأوهام.

العدد 1140 - 22/01/2025