الزهراوي.. المفكر النهضوي ومواجهة العابثين بالفلسفة والدين
لم يكن مشروع النهضة العربية الذي أطلقه الرواد الأوائل أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين رؤية تجريدية للإصلاح، بل كان لدى معظم هؤلاء رحلة عمل وتنوير وكفاح، حملوا فيه أفكارهم واجتهاداتهم إلى المدن وأقاصي الأرياف، وقارعوا التسلط والاستبداد بالحجة والاحتجاج السلمي، وسعوا لبناء دولة عادلة لها برلمان منتخب، وفيها مساحة للمعارضة الناقدة، وفسحة للحريات الفكرية الإعلامية والسياسية، وتوجّه عدد منهم رحلته بالاستشهاد على أعواد المشانق دفاعاً عن المشروع النهضوي، وفي مقدمتهم الشيخ الفقيه والصحفي والشاعر عبد الحميد الزهراوي (1872 ـ 1916).
ولد الزهراوي في مدينة حمص، ودرس فيها، ثم قصد الآستانة عاصمة السلطنة العثمانية سائحاً لمدة ثلاثة أشهر، ورجع إلى حمص، وأسس مجلة (المنير)، ثم سافر ثانية إلى الآستانة، وعمل في التجارة، ونشر مقالات في صحف صادرة بالعربية، منها (المعلومات) و(المؤيد)، و(الجريدة)، وفي مجلة (المنار) التي أصدرها الشيخ محمد رشيد رضا، بمصر.
تحدث في مقالاته عن مفهوم الوحدة القومية، وعن الجماعة المتضامنة المترابطة بوحدة اللغة والمصالح، وحذر من مشروعات الغرب الأوربي وأطماعه، وسخر من الجمود والتقليد، وأكد أهمية المقاومة من أجل انتزاع الحقوق، وندد بالشكوى والأستانة والطائفية، ولقي بسبب أفكاره المضايقة والأحكام المتعسفة، فوضع رهن الإقامة الجبرية، ثم أعيد إلى دمشق، وانتقل إلى مصر، واعتقل هناك إثر نشره مقالتين في مجلة (المنار) حول موضوعي الخلافة والتصوف، وازن في الأولى بين الاجتهاد والتقليد، وانتقد في الثانية مذهب الصوفية الذي أضر بالإسلام كثيراً، ثم نقل إلى الآستانة للمحاكمة، وصدر حكم بسجنه، ثم أفرج عنه وأعيد إلى حمص ووضع تحت المراقبة، لكنه فر ثانية إلى مصر وبقي فيها حتى إعلان الدستور العثماني عام 1908 فعاد إلى حمص، وانتخب مبعوثاً عن (لواء حماة)، ثم انتخب رئيساً لمؤتمر باريس عام 1913 وعين بعد ذلك عضواً في مجلس الأعيان الاتحادي العثماني عام 1914.
أثارت مقالات الزهراوي واتصالاته بالنهضويين في سورية ومصر، وانتقاداته لاستبداد السلطات العثمانية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى غضب هذه السلطات، فقبض عليه وعلى عدد من النهضويين من قادة حزب اللامركزية، وحوكموا عرفياً، وأعدم عدد منهم على المشانق بدمشق وبيروت في 6 أيار عام 1916 وفي مقدمتهم الشيخ الزهراوي، وسجن آخرون وجرى نفي أسر سورية إلى تركيا ومصادرة أملاكها، وأشعلت وقفة الوطنيين المحكومين بالإعدام وصيحاتهم الجسورة المدوية غضب سكان الولايات العربية كلها، وهيأت لأفول عهد الاستبداد العثماني، وبدء مشروع التحرر والنهوض.
ركز الزهراوي اهتمامه على الإصلاح في مضماري الفقه والسياسة، فقد كتب إلى صاحب مجلة (المنار) معرفاً بالمصلحين الحقيقيين، وواصفاً طبائع عرب تلك الأيام، وقال: (رجال الإصلاح الحقيقيون غير كثيرين، وأعني بهم من جمعوا في موضوع الإصلاح بين صدق النظر وصدق العمل، من كثرت تجاربهم ومرنت رؤيتهم وصحت عزيمتهم). ووصف العرب المقيمين في الأستانة قائلاً: (العرب هنا ثلاثة أصناف: متاجرون ومتعلمون ومأمورون، الصنف الأول لا في العير ولا في النفير، وهو قليل، والصنف الثاني ناشئون لا يصلحون للسياسة، والصنف الثالث لا نفع فيه لأنه مكون من ضباط وموظفين باحثين عن المنافع الذاتية).
وكان الزهراوي أكثر رجال النهضة صلة بطوائف الشعب، وأوفرهم احتراماً لتقاليدهم ومقدساتهم، وقد عمل معه في جريدته (الحضارة) رفيق رزق سلوم ابن مدينة حمص الذي بدأ حياته راهباً، ثم تحول إلى دراسة الحقوق بنصيحة الزهراوي، وظلا يعملان معاً حتى استشهدا عام 1916 وتسمية الجريدة لها مغزى واضح، فقد رأى أن العناية بالمستقبل والعمل له صفة من صفات الإنسان الراسخة وأخلاقه الثابتة، وبها بلغ الرقي المادي والمعنوي، وبها حدثت المزاحمة في الأعمال، وارتقت علوم البشر، وتفرعت معارفهم، وتقدمت الصناعات والفنون.
امتلك الزهراوي عقلاً ناقداً، وقاوم الكهانة السياسية، وطالب بوجود قوة سياسية تناقش السلطة وتحاسبها، فالدستور وحده لايلغي الاستبداد واحتكار القرار، ووجود حزب واحد موافق يعني أحد أمرين: عصمة المتغلبين أو موت الأكثرين وسكوتهم أمام تغلب الأقلين، ولا تنفي علائم الموت هذه إلا شهادة عيانية بقيام حزب معترض. ولخص الزهراوي نظرته إلى السياسة بدعوته إلى أن تكون الحكومة مختارة من الأمة ومقيدة بدستور محدد، مع وجود برلمان منتخب بنزاهة، ووجود أحزاب معارضة وصحافة حرة، وعلاقات تعاون بين الدولة والدول الأخرى تخدم مصالح الأمة.
خاض الزهراوي محاورات ساخن حول الفقه والتصوف، وركز على نزع القيود عن العقل، ونبد مظاهر التسليم بآراء السلف على علاتها، وبين تأثير التصوف والمتصوفة السلبي على الفكر وعلى الدين الإسلامي، فقال: (التصوف لفظ ينتحله اسماً لمعارفهم ناس خلطوا – إذ بحثوا في الفلسفة الإلهية – بين إيراد كلام الفلاسفة الإلهيين من القدماء والشواهد القرآنية وأمثالها من الكلم النبوية، واخترعوا اصطلاحات صرفوا بها الألفاظ اللغوية عما وضعت له صرفاً لم يراعوا فيه العلاقة القريبة والقرأئن الدالة، وأغرق هؤلاء في التأويل وصرف الألفاظ، فعبثوا بالفلسفة والدين معاً).
وترك الزهراوي كتباً نشر بعضها في الصحف والمجلات، وجُمع بعض مقالاته ورسائله في كتب مستقلة، فكتابه (خديجة أم المؤمنين) نشر على حلقات في مجلة (المنار)، ثم طبع في مطبعتها عام 1910 ومن أبرز أعماله (رسالة في الفقه والتصوف)، ورسالة في علم النفس بعنوان (نظام الحب والبغض)، دعا فيها إلى عدم تجاوز الحدود في حب الذات. (فجميع ما نسميها شروراً منشؤها مجاوزة الحدود في محبة الذات، لأنه لا معنى للشر إلا الاعتداء على الحقوق).
وعالج الزهراوي في مقالاته التي نشرها في جريدته (الحضارة) أو في سواها من الصحف والمجلات، موضوعات اجتماعية وسياسية عديدة، منها مقالة عنوانها (الحق والقوة)، قال فيها: (لماذا أيتها الأمم الضعيفة لا تفكرين بالأدوية الدافعة لآلامك هذه؟ لماذا لا تسألين عنها كثيراً؟ لماذا لا تتجرعين منها مرارة ساعة لتخلصي من مرارة الدهر؟ لماذا تستصعبين الدواء وهو بين جوانحك على ما سمعنا من الحكماء؟ (مجلة الإنسانية ـ حزيران (يونيو) 1910).
وكان لرواد النهضة وشيوخ الإصلاح (الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا) تأثير واضح على الشيخ الزهراوي، فقد أخذ عنهم حماستهم للإصلاح وتبحّرهم الديني، وأعجب بأسلوبهم المتقن في الكتابة والخطابة، لكنه جاوزهم باجتهاداته الفقهية ورؤاه السياسية وممارسته العملية، ومعاركه المزدوجة التي خاضها مع السلطة العثمانية المستبدة من جهة، ومع المشايخ المتزمتين من جهة ثانية.
وقد رثى الزهراوي الشيخ محمد عبده بقصيدة مؤثرة نشرتها مجلة (المنار)، وهذه أبيات منها:
نعى البرق شمس العصر فاستحوذت ظلما
وأرعدت الألباب إذ أمطرت غمّا
توارى بحجب الغيب عنا محمد
إمام الهدى السامي بحكمته العظمى
أتيت فأديت الأمانة رافعاً
منار الهدى ولاحق في دامس عمّا
وأرجع الزهراوي إخفاق المفكرين العرب أوائل القرن العشرين في صوغ خطاب سياسي يؤسس لنهضة شاملة إلى اختلاف مصادر خطابهم وتضارب منطلقاته، وإلى انقسام المفكرين بين الاندفاع الشديد خلف أفكار الأوربيين، وإهمال تراث الأسلاف، وبين الذين يرون أن للأسلاف نظراً بعيداً، ويأخذون ما أتى عنهم دون إهمال شيء منه. فوقف الزهراوي خارج هذين الفريقين، وانتظم ضمن فريق ثالث يلتمس أفراده الحكمة أنى وجدوها، ويميزون بين التفاعل الثقافي وبين الاستلاب، فقال: (نعم، للأجانب فضل عظيم في حياتنا العلمية، وكل شيء فهو يتبع العلم، ولكن إذا كان ثمن التفضل التجريد من كل إرادة واختيار، أفلا يكون الموت خيراً من الحياة معه؟).
ودعا الزهراوي إلى استعادة الدور الحضاري للعرب، ورأى أنهم يستندون إلى حضارة عميقة الجذور، حملوها منذ سبعة آلاف سنة، (وهم قادرون على استعادة هذا الدور حين يغادرون جاهليتهم الحضارية)، ويمسكون بناصية العلم، ويوحدون قواهم، ويقيمون حقوق المرأة وكرامتها.
ويجد القارئ في الأعمال الكاملة للزهراوي الصادرة عن وزارة الثقافة بدمشق عام 1995ضمن سلسلة (قضايا وحوارات النهضة العربية) أن صاحبها وقف قلمه ونشاطه كله من أجل نهضة العرب ووحدة مواقفهم وإعلاء شأنهم، محتفظاً بجرأة الناقد واستقامة الباحث عن الحقيقة، وأنه ظل دائم الثقة بالناس وبعدالة القضايا التي دافع عنها، وقد صبر طويلاً على تقلب المنتفعين وتكاسل الضعفاء وترددهم، وعلى اتهامات المتزمتين الجامدين وجحودهم، وتوجّ رحلة عطائه الفكري والعملي بوقفته الجسورة أمام الجلادين، واستشهاده على (أرجوحة الشرف) الذي زلزل الأرض تحت أقدام المستبدين، وكأني به يتغنى وهو في طريقه إلى المشنقة ببيت تغنى به رفيق دربه في الصحافة والكفاح والاستشهاد رفيق رزق سلوم عام 1914 وهو يؤدي دور السموءل بن عادياء في تمثيلية عرضت في الآستانة، يقول:
إن كان في موتي حياة ترتجى ..|.. للعرب، أقبلْ يا حِمام وعجّلِ
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى امتلاك ناصية مشروع النهوض من جديد، والتأثر بتجربة النهضويين، والتحلي باستقامة البحث عن الحقائق وجرأة النقد وصبر المشتغل بالشأن العام، والوفاء لتضحيات أعلام النهضة، قبل أن نفقد، لا استقلالنا وأمننا وكرامتنا فحسب، بل وجودنا كله.