تداعيات وأمنية

تمكن العلماء في مجال صناعة الروبوتات، بالاشتراك مع خبراء في علم النفس والإدراك، من تطوير روبوت على شكل رجل آلي باستطاعته معرفة نوايا البشر وما يفكرون به.

غير قليلة، هي الأفكار التي تجاذبت ذهن عزمي لدى قراءة الخبر أعلاه، الذي ضمّنه الزميل باسم عبدو مقالته المنشورة الأسبوع قبل الماضي في جريدة (النور) العدد 601/ 2013.

ترى ما الشكل الذي تؤول إليه علاقات البشر فيما بينهم، إذا ما بات كل منهم يعرف ما يضمره الآخر له؟ ولا سيما إذا كان المضمر مخالفاً أو عكس المعلن؟ بل وهل ثمة حاجة عندئذ للإفصاح والإخفاء، إذا كانت دخيلة الإنسان مرقونة على وجهه، ونيته مطبوعة على لسانه؟ ثم ما جدوى التواصل والتحادث والتحاور، ما دامت خوافينا ظاهرة وكنائننا معلومة ونوايانا مشهرة؟

بل كيف ستغدو حياة الناس، إذا غاب عنها سبب أساس من أسباب تواصلهم، وضُرب فيها دافع رئيس من دوافع فضولهم، واستؤصل منها جزء هام من مفردات لغتهم؟!

إضافة إلى ما يولده الخبر، كمعلومة علمية وكمنجز تقاني، من استهجان وافتخار في نفس القارئ، سيبقى أمر تحقيق ذلك الاختراع في الحياة العملية، وتعميم استخدامه، في عداد المستبعدات. وذلك لما يحف بنتائجه من محاذير ويقف في طريقه من معيقات، لا تخفى على ذكي ولا تستغلق على متوسط.

صور مقاطع مقروءة ومسموعة ومشاهدة، لتصريحات مختلفة من شخصيات متنوعة على غير مستوى وصعيد. تواردت إلى مخيال عزمي، بعد مطالعته ذاك الخبر، صفتها المشتركة، أنها لا تحتاج إلى كثير عناء للوقوف على نية صاحبها المعاكسة تماماً لملفوظ خطابه. من تلك المقاطع على سبيل المثال:

 يسعد صباحك ومساءك وكل أوقاتك، ابن آدم قلبه دليله، قلبي قال لي إني سألتقيك، هل تعرف أني أستبشر بالخير ويمضي يومي سعيداً كلما رأيتك؟ (من خطاب أحد اثنين يعرفان كما يعرف محيطهما أن كلاً منهما يكره الآخر بمقدار ما يحب عنترة خدي عبلة، ويعشق أراغون عيني إلزا).

 لا يهمني أبداً جمال جسدها لأنه يذهب مع الأيام، يهمني جمال روحها وأخلاقها، فهما يبقيان على مدى العمر (من تعابير طالب الزواج من إحدى الحسان، يطلّقها بعد شهر واحد فور شبعه من جمال روحها).

 أهنئك من كل جوارحي.. بل أهنئ بك نفسي وكل الدائرة وموظفيها والبلد. فمثلك هو عون للمواطن ورمز للوطنية وذخر للوطن! (من تهاني معاون رئيس إحدى الدوائر رئيسه الجديد، المعروف أن علاقته بالمواطن والوطن لا تتجاوز الاستعباد والاستغلال).

مساء أثناء كان عزمي مركوناً قدّام التلفاز، ظهر أحدهم على الشاشة ليقرأ على المشاهدين (مزموره) الوطني، ما أسفر عن ابتسامة على شفتي عزمي، تبعها سؤال على لسان زوجته، عما وراء تلك الابتسامة التي لها لون الحزن وطعم السخرية.

ولما كانت الزوجة من ذلك النوع الذي إذا سأل، فلا بد من إجابته، فقد أطلعها عزمي على جهاز كشف النوايا الذي قرأ عنه صباحاً في الجريدة، وأمنيته في أن يركّب ذلك الجهاز خفية خلف قرط بعض النساء، لدى إعرابهن عن عواطفهن تجاه غلاوة الزوج وسعادة الأسرة، وتحت طاولة بعض المعارضين عند إفصاحهم عن نضالاتهم في سبيل تحرير الوطن وحرية المواطن!

العدد 1190 - 11/03/2026