بشائر الانتصار على الإرهاب والاحتلال
للتظاهرات الحاشدة التي يقيمها أهلنا في الجولان هذا العام ورفع الرايات الوطنية السورية بكثافة فيها، معنى خاص وطعم مختلف، ومنذ 34 عاماً ودون انقطاع، يرفرف العلم السوري فوق ربا الجولان المحتل، على أيدي شيوخه وشبابه ونسائه وأطفاله، تعبيراً وتأكيداً لاستمرار رفضهم للاحتلال الإسرائيلي وتعزيزاً لانتمائهم إلى وطنهم الأم سورية، وإلى هويتهم العربية التي استمات العدو الإسرائيلي لانتزاعها منهم فما أفلح في ذلك، فكان شعار (الموت ولا الهوية)، أي الهوية الإسرائيلية، قدس أقداسهم.
في هذا العام تمر ذكرى الإضراب الوطني الكبير، فيستقبلها الأهل في الجولان وفي عموم سورية بمزيد من الثقة بالنفس، وبأعلى روح معنوية، فها هي ذي جحافل الجيش السوري الباسل تقتحم القرى والمواقع التي أوكل العدو الإسرائيلي للمجموعات الإرهابية المسلحة فيها مهمة الدفاع عن أمنه وعن احتلاله، لتكون شريطاً (لحدياً) عميلاً بين الاحتلال والسوريين أصحاب الأرض، فكانت الاندفاعة البطولية لتحطيم البنى التحتية لهذا الشريط الذي تحلم إسرائيل بإقامته على امتداد الخط الممتد بين جنوب وجنوب غرب سورية، والواصل إلى بعض الأجزاء من ريف دمشق الغربي.
إن هذا الشريط، الذي تحطمت أحلام إسرائيل بإقامته، لم يكن الهدف منه دفاعياً بحتاً على الإطلاق، فقد كان مخططاً له أن يكون فوق ذلك، منصة انطلاق للجيش الإسرائيلي للوصول إلى جنوب دمشق، والتشارك مع باقي المجموعات المسلحة الناشطة في الجزء الجنوبي من دمشق، والضغط عليها وتهديد أمنها. كما كان للشريط هدف آخر، وهو استكمال السيطرة على سفوح جبل الشيخ وصولاً إلى جنوب لبنان المتاخم للأراضي السورية، وبضمنها مزارع شبعا اللبنانية.
لقد كان للرد البطولي الذي قامت به المقاومة الوطنية اللبنانية في مزارع شبعا إثر العملية الاستفزازية الخطيرة التي استهدفت مجموعة من قادة المقاومة في محيط القنيطرة، الأثر الكبير في تغيير قواعد الاشتباك في المنطقة، إذ إن أي اعتداء إسرائيلي على الأراضي السورية أو اللبنانية سيجابه بما يستحقه من رد عسكري مناسب، وهذا بحد ذاته يشكل ملامح استراتيجية جديدة لمحور المقاومة، قوامها وحدة الجبهات العربية، والرد الفوري على اعتداءات العدو.
إنه لتطور كبير سيطرأ على استراتيجية المعركة ضد الاحتلال الإسرائيلي القائم منذ 48 عاماً حتى الآن، وضد الحرب المشرعة على الإرهاب الداعشي وكل المجموعات الإجرامية التي تعبث بأمن سورية من شمالها إلى جنوبها.
ويتزامن هذا التطور مع تطور سياسي آخر متمثل بالسير، ولو بخطوات بطيئة، في طريق الحوار الداخلي السوري – السوري، الذي انطلق من موسكو، والذي سيتابع خطواته في الأسابيع القادمة. والتطور الآخر اللافت أيضاً هو توسع المبعوث الأممي السيد ديمستورا في مساعيه لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، وكان آخرها تمديد إقامته في سورية، بعد أن تقدم بأفكار جديدة استدعت استمرار بقائه في سورية.
لكن المهم في مواقفه الأخيرة ما أدلى به في مؤتمره الصحفي الأخير من أن (الرئيس الأسد هو جزء من حل الأزمة)، الأمر الذي يعني التراجع عما كانت تردده الأوساط الأمريكية والأوربية، من أن الرئيس الأسد هو جزء من المشكلة، وهو اعتراف يدلل على أن صمود سورية وجيشها الباسل، قد فعل المعجزات وأجبر الغرب وعملاءه الإقليميين والمحليين، وبضمنهم الإرهابيون، على الاعتراف بالأمر الواقع والتخلي عن بعض أوهامهم.
ستظل سورية تسير بالمسارين معاً وفي آن واحد، السعي للحل السياسي، وأسلوب القوة الرادعة، حتى تتحرر كامل الأراضي السورية من رجس الإرهابيين، وحتى سقوط المشروع الإمبريالي الصهيوني، وعودة الأمان والاستقرار إلى ربوعها.