نعم التعايش ممكن في العائلة السوريّة

مع تزايد حدة الصراع الذي يشهده الشارع السوري، وتزايد وتيرة العنف، برزت العديد من الظواهر، كالخطف والابتزاز والسرقة وغيره الكثير من الانعكاسات التي تكاد لا تعد ولا تحصى للأزمة السورية، حتى تمكنت المجموعات المسلحة من السيطرة على بعض المناطق ومنعوا إدخال الطعام والدواء إليها. وكنتيجة لذلك نشط بعض الزعماء المحليين لوأد الفتنة في منطقتهم، وباتوا يسمون لجاناً للمصالحة الوطنية، وذلك بهدف العمل على زرع بذرة الحوار بين الأطراف الّتي تضررت، والمحافظة على وحدة النّسيج السّوريّ، والعمل على تخفيف حدة العنف وتحييد المدنيين عن الصراع الدائر على الأرض، لكن يبقى السّؤال هل بإمكان هذه المبادرات أن تُعيد للنسيج السّوري رونقه وجماله؟!

لا نستطيع أن ننكر أنّ التّعايش هو من أهم التّحديات الّتي علينا مواجهتها خلال المرحلة القادمة، فجلوس الأطراف المتنازعة إلى مائدة الحوار بوجود أشخاص من لجان المصالحة الوطنية لا يكفي، إن لم يكن مبنياً على أسس منهجية صحيحة تضمن انطلاقة صحيحة تُمكّن جميع الأطياف من العمل المثمر.

فما هو الحلّ؟! وما هي الاستراتيجيات الواجب اتباعها؟!

ينبغي أولاً تعلّم التّعايش المشترك؛ وهذا يعني تقبّل الآخر، وقبول الاختلاف، واحترامه، والعمل لجعل البيئة مكاناً آمناً، وهذا يتطلب الاعتراف بوجود الآخر، وقبول التّنوّع، والعمل لبناء علاقات إيجابية وبشكل متساوٍ بين الجميع، لأنّ هذا هو السّبيل الوحيد لتعزيز الكرامة والحرية والاستقلال، أمّا عندما تكون العلاقات سلبية ومدمّرة فإنّ ذلك سيقيد الكرامة الإنسانية وقيمتنا الذّاتية. فالصّعوبات الّتي واجهناها، والّتي تتمثل بالدّمار والإبادة الجماعية، والتّهجير، والتّشرد، إلخ… سمحت بدخول أفكار جديدة وغريبة على مجتمعنا وعلى نسجينا لم نعتدها، لذلك علينا بالدرجة الأولى الاعتراف بوجود الآخر كشريك اجتماعيّ ومواطن نشط له دوره الفعّال، من أجل ذلك نحن بحاجة إلى أدوات ثقافية جديدة تعمل على تحقيق الدّمج السّليم بين جميع الأفراد، وذلك بهدف ترسيخ الديمقراطية الحقيقية وتحسينها.

إذاً، التّعايش سلوك مكتسب، لذلك هو عملية مستمرة من التّعلّم تبدأ داخل الأسرة، ثمّ تتفتح في المدرسة لكي تثمر بعد ذلك في المجتمع ككل، وهذا يتطلب التّعاون المشترك بين جميع المؤسسات من خلال العديد من البرامج والمشاريع، وأقوى نموذج لعمل المؤسسات لتحقيق فكرة التّعايش هو مجلس العلاقات الاجتماعيّة الموجود في إيرلندا الشّمالية الّذي يعمل من خلال الهيئات الحكومية المحلية، لأنّ مثل هذه المؤسسات هي في الخطّ الأمامي للتربية على التّعايش الصّحيح، كما أنّها تقع في المناطق الّتي يكون فيها تنوع من جميع الأطياف، الأمر الّذي يتطلب بذل الكثير من الجهد للعمل وفق مجموعة من الخطط والبرامج، الّتي يمكن أن تبدأ بتوفير الموارد لدعم المراكز الاجتماعيّة، الّتي تفسح المجال لجميع الطّوائف للتعلّم واللّعب، بتشكيل فرق رياضية أو بناء  مجموعات تاريخية للتعرف على عادات وتقاليد كلّ طائفة وكلّ طرف، إلخ…

كما يجب علينا ألاّ نغفل دور الأسرة، فهي النواة الحقيقة لتعزيز بذرة التّعايش، فما هي الأسس الّتي يجب أن نربي عليها أولادنا لتعزيز التّعايش؟!

1-  البحث عن النّقاط المشتركة وليس نقاط الاختلاف، والانطلاق منها.

2- إيجاد هوايات مشتركة، ضمن المجموعة الواحدة، لتعزيز أواصر المحبة، مثل بناء فرق رياضية لكلّ حي أو منطقة، إلخ…

3- الاندماج بالمجتمع، وذلك يتطلب احترام طريقة اللّباس، وأسلوب الكلام، مع مراعاة الآداب في ذلك.

4- عدم رفض أيّ فكرة لمجرد الاعتراض، فهناك العديد من النّاس يرفضون الأفكار فقط لمجرد عدم الاقتناع بها، لذلك ينصح التّربويون بترك مساحة من الدّماغ لتقبل أفكار الآخرين وإعطاء فرصة للتفكير بها تفكيراً سليماً.

5- احترام من خالفنا بالرّأي ومحاول رؤيّة الأمور من الزّاوية الّتي يقف فيها، مع مراعاة الظّروف الّتي يمرّ فيها.

6- صدق النّيّة في التّعامل مع جميع النّاس، فهناك من يعمل على تجميع النّاس ليحقق مكاسبه الخاصّة، وليس لبناء الجماعة.

7- المرونة، وهذا يتطلب الابتعاد عن العناد وتفهّم الآخر ووجهة نظره.

8- التّمسك بإنسانيتنا، وذلك يتطلب محبّة الإنسان حتّى لو اختلف معنا بالرّأي وبالعقيدة وبالأفكار، لأن البناء الإيجابي المبدع بحاجة إلى جميع الطّاقات والمواهب ولن يكون بناءً قويّاً إلاّ عندما يحضن جميع الاختلافات ويجسدها بعمل مبدع.

9- التّعايش لا يعني الذّوبان، بل المحافظة على هوية كلّ شخص واحترام الآخر كما هو.

إنّ التّعايش يقوم على مبادئ التّضامن والاحترام والمسؤولية المشتركة والتّعاون، إنّ ممارسة مثل هذه القيم يُعطي معنى لعملية الانتماء إلى الجماعة وتشكيل جزء منها، كما تعتبر هذه القيم القاعدة الأساسية الّتي يقوم عليها السّلوك الحضاري، الّذي هو عبارة عن مجموعة من التّصرفات الّتي تتيح للمواطن العيش ضمن الجماعة مع الالتزام بقواعد الديمقراطية والحقوق الأساسية؛ وهذا ما أوضحه سيغموند باومان بقوله: لا يمكن أن توجد جماعة دون أن يكون لدى فرادها حسّ مشترك وتحمّل للمسؤولية.

وعليه، فإنّ الحياة ضمن المجتمع تعني وجود مجموعة من الحقوق والواجبات، وإنّ معرفة هذه الحقوق والواجبات وممارستها، سيساعدنا على العيش والتّواصل الصّحيح.

جمانة جوزيف أوسي

العدد 1195 - 23/04/2026