الهوية والعنف: ماذا حدث.. وما أسباب حدوثه.. إلى أين نحن ماضون؟ (2من2)

يسأل المفكر الهندي أمارتيا صن: هل يؤدي التحليل القائم على الدين لشعوب العالم إلى طريقة مفيدة في فهم الإنسانية؟، يؤكد: لابد أن أحتج هنا بأنه لا يفعل. فربما تكون تلك طريقة تصنيف تتسم بترابط منطقي أكبر من التصنيف الحضاري. لكنها ترتكب الخطأ نفسه في محاولة رؤية البشر على أساس انتماء واحد، أي الانتماء الديني، ومثل هذا التصنيف يمكن أن يكون مفيداً إلى حد ما في سياقات كثيرة. على سبيل المثال: في تقدير اختيار أيام الإجازات الدينية، أو تأمين سلامة أماكن العبادة. لكن اتخاذ ذلك أساساً رئيسياً للتحليل الاجتماعي والسياسي والثقافي بشكل عام سوف يؤدي إلى تجاهل كل الصلات والولاءات الأخرى التي يمكن أن تكون لدى كل فرد، والتي يمكن أن تكون لها أهميتها بالنسبة إلى سلوك الفرد وهويته وفهمه لنفسه. إن الحاجة الماسة إلى ملاحظة الهويات الجمعية للناس وطريقة اختيارهم لأولوياتهم تبقى أهم من إزاحة التصنيفات الحضارية لإحلال تصنيف ديني مباشر محلها. يمكن أن تكون هناك أيضاً تباينات واسعة في السلوك الاجتماعي للأشخاص المختلفين الذين ينتمون إلى الديانة نفسها. حتى في حقول غالباً ما اعتقد الناس أنها ترتبط بالدين ارتباطاً كبيراً. كانت المواقف المتغيرة من التسامح الديني  ذات أهمية  اجتماعية  غالباً في تاريخ العالم. وكثيراً من التنويعات يمكن أن نجدها بهذا الشأن بين أشخاص مختلفين كلهم يدينون بالإسلام. لا بد أن يكون من القضايا الأساسية كيف يُنظر إلى الكائنات البشرية: هل ينبغي تصنيفهم وفق التقاليد الموروثة، خصوصاً الدين الموروث، للمجتمع الذي يولدون فيه؟ والنظر إلى تلك الهوية غير المختارة باعتبار أن لها أولوية آلية على جميع الانتماءات الأخرى الخاصة بالسياسة والمهنة والنوع واللغة والأدب والمجتمع، وعلاقات أخرى كثيرة؟

 

(5)

 يروي المفكر الهندي أمارتيا صن في فاتحة كتابه (الهوية والعنف وهم المصير الحتمي) حادثة طريفة عندما كان رئيساً لكلية  (ترينيتي- كمبريدج) في لندن في الفترة من 1998 إلى  2004  كان عائداً إلى إنكلترا من رحلة  قصيرة في الخارج. وفي مطار هيثرو، فحص ضابط الهجرة جواز سفره الهندي بعناية، ثم سأله سؤالاً فلسفياً يتسم ببعض التعقيد. فبينما كان  ضابط الهجرة ينظر إلى عنوان بيت  المفكر الهندي أمارتيا صن المدون في جواز سفره  على الشكل التالي : منزل رئيس الجامعة- كلية ترينيتي-  كامبريدج   سأله عما إذا كان رئيس الجامعة صديقاً مقرباً ليتمتع بكرم ضيافته. تردد المفكر الهندي في الإجابة، لأنه لم يكن واضحاً له أن يدعي أنه صديق مقرب لنفسه،  وبعد بعض التأمل، توصل إلى نتيجة فحواها أن الإجابة لا بد أن تكون بنعم. وأراد ضابط الهجرة في المطار أن يعرف لماذا تردد بالضبط؟ وهل وجوده في بريطانيا غير شرعي؟ لم يخطر في بال  ضابط الهجرة الألمعي أن  هذا الشخص الهندي الواقف أمامه هو  رئيس كلية في إحدى الجامعات اللندنية. حسناً. تلك القضية العلمية  والعملية  قد حُلت في نهاية الأمر. وهذا دليل آخر على أن هوية المرء يمكن أن تكون أمراً معقداً.

 

(6)

الحق أن كثيراً من القضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة حول ادعاءات متضاربة لهويات مختلفة تؤثر كثيراً في أفكارنا وأفعالنا. لنأخذ قضية الفقر المدقع التي يمكن بالطبع أن تنتج التحريض على تحدي  القواعد والقوانين الراسخة في المجتمع. ولكن ليس بالضرورة أن يعطي الناس الدافع والشجاعة والقدرة الفعلية على فعل أي شيء شديد العنف. فالفقر المدقع يمكن أن يصحبه ليس فقط الضعف الاقتصادي بل أيضاً العجز السياسي. ويمكن أن يكون أي تعيس جائع شديدَ الضعف وموهن العزيمة إلى درجة تفقده القدرة على النزاع والحرب، بل حتى الاحتجاج والشكوى، ومن ثم ليس من المدهش أن أغلب حالات الإجهاد الشديد وانتشار المعاناة والبؤس كانت مصحوبة بالسلام والصمت بدرجة غير عادية. والحق أن كثيراً من المجاعات حدثت من دون أن يكون هناك كثير من التمرد السياسي أو النزاع الاجتماعي أو الحروب بين جماعات المجتمع. مع أنه يُنسب قول صريح بالتمرد المسلح إلى أبي ذر الغفاري إذا لم يجد المرء خبزاً في داره. فالإهمال والتجاهل يمكن أن يكونا سبباً للسخط. لكن شعوراً بالتعدي على الحقوق، والحط من القدر، والمهانة، يمكن أن يكون أسهل في تعبئة التمرد أو الثورة. إن قدرة أي نظام مستبد على إزاحة الجماهير من طريقه وعزلهم وقهرهم والسيطرة عليهم بالقوة العسكرية لها عواقب مكثفة وبعيدة المدى بما يتجاوز كثيراً المكاسب السياسية التي تجلبها للنظام. فالشعور بالظلم في الانتهاك الاستبدادي لحقوق العامة يظل مهيأ لتجنيد ما ينظر إليه من الجانب المضاد  على أنه انتقام عنيف، وقد يأتي الأخذ بالثأر ليس فقط من العامة، ولكن أيضاً من جماعات أوسع كثيراً من الناس الذين ترتبط هويتهم بالهوية الدينية من أبناء العالم الثالث. وعلى الرغم من أن الفقر والشعور بالظلم قد لا يؤديان مباشرة إلى انفجار العنف، فهناك علاقة أكيدة، تعمل على مدى فترة زمنية أطول، يمكن أن يكون لها علاقة أكيدة باحتمالات العنف.

العدد 1195 - 23/04/2026