صورة تذكارية!

يجتمع سياسيون وزعماء وقادة عالميون لدول كبرى، لأخذ صورة تذكارية جماعية، إثر إنجاز ما جوهره السلام، لينام العالم ويصحو على أحلام سعيدة، ولا ضير من أن تكون الصورة حميمية بما يكفي (لشعرنة) الواقع في غير مكان، وبما يُقصي اعتقاداً آثِماً ورد ذات مرّة في أحد القواميس الفريدة، يقول: (إن السلام فترة خداع بين حربين). ووفقاً لذلك القاموس، يصبح (العنيد هو الحازم في أمر لا نحبّه، ويصبح الحازم هو العنيد في أمر نحبه)، ولتذهب كل التعريفات الكلاسيكية إلى الجحيم، إذ لا حرب تهدد العالم، ولا ألعاب كونية ترسم أقدارها، ما خلا الرياضة، كما وصفها شاعر حالم بأنها (أشرف الحروب)، فلا دماء تسفك هنا، أو هناك، ولا فكر متخثّراً في مقلع حجارة يطبخ عنفاً رعافاً، والضحك في الصورة التذكارية- نفسها- سيستدعي ربما مواسم الخصب للأرض، وإذا نقصت الشمس شبراً على بقعةٍ نائية، فسوف تكمل الضحكة شمسها هناك، ففضيلة الضحك، هي حتى تطلع الصورة أحلى، على حدّ مقولة فيلم عربي، ولكن هل تجمّل الواقع، أم تكون كالكذب الجميل، -وبصرف النظر- عن محاججة ما يمكن تسميته هنا بتطبيع لغوي بين الكذب والجمال، سيرنو الناظر إلى الصورة التذكارية العتيدة، وإلى ما يعقبها من واقع ينبغي لها تجاوزه، حتى لا تكون الصورة على سبيل الذكرى ومن ثم النسيان، ويصبح (الواقع) هو الصورة الثابتة!

واستحقاق صورة بعينها، هو لحظة الحياة المنتظرة، وليست مجرد ضوء وظل، ولا مجرد حيوات تمرّ (بحياد إيجابي) من أمام تاريخ العالم الدرامي، فيما يرسم الشعر صورة مفارقة، وفارقة بآن معاً، وكيف إذا كانت لأحد الشعراء-الشهداء من أمثال الغواتيمالي (أتورينيه كاستيو) الذي عذّب وبترت أطرافه وحرق حيّاً دون أن يشي برفاقه، حينما أنشد: (عندما سيجري كشف حساب عصرنا، على يد أولئك الذين لم يولدوا بعد، لكنهم يحملون البشارة في وجوههم الطيبة، فسنخرج رابحين، نحن الذين قاسينا آلام هذا العصر أكبر من آلامه، لأن سَبْق المرء لعصر، يعني تحمل قسط أكبر من آلامه، إنما رائع حب الدنيا بعيون أولئك الذين لم يوُلدوا بعد).

ما يجاوز الصورة إذن، هو التوق للمستقبل الذي يأخذ فائضها، ليكون الواقع (بلا ضفاف) ودلالتها الهندسية لا تعني اختزال أضلاعها، أو تضييق حوافها، بل انفتاح أضلاعها تفاعلاً جدلياً بين مكوناتها وما تقوله لرائيها، هل هي السلام فقط، أم أن أفكاراً إضافية ستشارك في تركيبها الحواس؟!

وعلى الأرجح أن الرواية (كتمثيل) على ذلك، كرواية (الشيخ والبحر) لأرنست همنجواي، ثمة من يرى أن موضوعها الرئيس لا يقتصر على تمجيد مجابهة المخاطر بالشجاعة الإنسانية الفائقة، بل هي دعوة للتعلق بالحياة والسعي نحو الهدف، ولو كان سيؤدي في النهاية إلى لا شيء.

وفي زعمنا أن الحياة هي الفرح المعلوم، واللسان الذي لم تثلمه الحروب، والصوت الآدمي/ النهر الذي تجرف مياههُ بقايا الأوراق المتساقطة، دافقة تتمدد وتنفجّر نضرة..

وفي زعمنا.. أن الزمان ذاته قد أضحى صورة، فكيف نفسّر سلوك من سيعودون به إلى سابق عهده دون شغف الألوان، وإلى فضاءات لا فضاءات لها. لطالما كانت الحرب صورة تفتك وتفترس، وفي أقصى (صورة الزمن) في حروب الكون ملايين الوجوه الصامتة بلا ملامح، عارية من حياة سلفت، وبريق يتفتّق حريره حياة، وجوه بلا عناوين!.

كثر هم اليوم من يرون غلطة كولمبس، التي أعقبها اختراع صورة أمريكا، حيث الحياة ليست هي نفسها، وإلا فما معنى الخطايا التي أعقبت مجرد غلطة!؟

يتحرك البشر جميعاً -على الأرجح- داخل صورة طليقة، في كل لحظة من لحظاتها هي صورة تذكارية، فمن بقية حياة إلى الصمت والنسيان، ومن موت متربّص إلى الصمت والذكرى، صورة تخاتل الفناء. قلت لنفسي وأنا ألتقط صوراً توثيقية لخراب طال بيوتاً وأبنية هجرها سكانها: ما شأن ذلك (الألبوم)؟ ولم جذبني بالذات؟ بيدٍ مرتعشة قلّبت صوره، فردية وجماعية، قلت: ربما أتذكرهم، لكن سؤالاً واحداً لم أجد إجابته حتى الساعة: أين ذهبوا؟!

توسلت إجابة عاجلة دون تفكير: ربما ذهبوا إلى صورة أكثر اتساعاً، ولو ظلّت مجرّد خيال!..

العدد 1195 - 23/04/2026