كونشرتو الجنون

مثل أي واحد من الناس، لطالما فتنتني الدراما بلعبتها الآسرة و(بواقعها) الذي أصبح مثل الخيال، حتى إنني بتّ (أحدس) ببراءة، واقفاً في منتصف السؤال: ترى أين ينتهي الواقع ليبدأ التخييل؟! ومع ذلك، فإنني ما زلت مشدوهاً (لدراما) أخرى تهبنا أدواراً خفية، وقسرية على مسرح الحياة  وخشبتها ولكل منّا (عوليسه) ليكون قسطاً من العقل، أو قسطاً من الجنون، أو مزيجاً بينهما!

يا إلهي.. هل أصبح الجنون ثقافة، أم عادة، أم طقوساً معلنة ليرسم يومياتنا بالعبث واللامبالاة، وبالصمت حينما ندرك أننا استنفدنا الكلام، وأدرك أن ذلك المسمّى (جنون) من شأنه أحياناً أن يحمل كثيرين على الهرب من دوامّته إلى مدن تلتحف ضبابها، إلى شواطئ ما زال البحر يكتب لها قصيدته الوحيدة، مدن لا تشبه إلا ذاتها، وشواطئ مكشوفة الجرح، كل ذلك بفعل (الجنون)!، وضربة شمسه و(حدوته) الحياة (الجميلة)!

ثمة فكرة غريبة طرأت في رأس الممثل المصري سعيد صالح، في سالف الأيام، هي أن يزور مصّحات الأمراض العقلية ويغنّي للمجانين، ليس فقط لنشر بعض الفرح في صفوفهم، ولكن لأن العيش معهم لبعض الوقت واكتساب ثقتهم، قد يوحي بأشياء كثيرة تقدم للناس الذين يعيشون رغماً عنهم خارج تلك المصّحات، ولا أعلم حتى الساعة هل قرأ سعيد صالح ما كتبه ميشال فوكو، فوكو الذي لم تعتبره الجمعية الفلسفية اليابانية فيلسوفاً، (ولم يأتِ بتصور فلسفي جديد)، وذلك إثر زيارة تبادل ثقافي عام ،1975 وحينذاك أراد فوكو امتداح ذاته فقال: (كنت مشخصاً بارعاً)، لكن الأهم فيما كتبه ميشال فوكو هو كتابه المثير للجدل (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي) وفيه يرصد كيف تحول عالم الجنون في القرن السابع عشر إلى عالم الطرد والمنع، فالمجانين هم المهمّشون والمنبوذون، وعليه ذهب ميشال فوكو، على خطا ماركس، أي بالانطلاق من الأفق التاريخي كمجال حيوي للمعرفة وبعيداً عن هذا السياق (التأصيلي)، ولذلك فإنني أجزم بأن الفنان سعيد صالح، حتى ولو لم يقرأ فوكو فقد التقى به في الإحساس بأوجاع (أكثر تعقلاً منّا) على سبيل المجاز! ولسان حال أولئك المهمّشين يقول: (لا.. لا، نحن لسنا هناك حيث تترصدوننا، إننا هنا حيث نرقبكم ضاحكين).

ولمجرّد أنك (آخر) ثمة من يقوم بانتزاع قلبك، ودعوتك دون إذنك إلى حفل شواء بشري!، لطالما قال نيتشه: (الإنسان هو ذئب الإنسان)! وقال ميخائيل نعيمة مخاطباً بني جلدته: (قتل الإنسان للإنسان الآخر هو خطيئة كبرى، أنتَ لم تخلقني، فأية قدرة لديك لتطفئ حياتي؟ إنني هنا في مهمة، وعندما تقتلني تمنعني من تحقيق مهمتي)!

فهل يمكن الانتساب إلى جمعية الفكاهة السوداء لنكافئ الحياة على شرورها، يتساءل ذوو الجنون المضاد، ومنهم دوستويفسكي الذي صّرح ذات مرة بالقول: (لدي مشروع: أن أصبح مجنوناً)!

مهلاً، ليس من شروط أو معايير لجمعية الفكاهة السوداء، سوى أن تكون بقية الشعاع من تلك الشمعة الذابلة، الذي ظل يضيء، سوى أن تمتلك جرأة النظر في المرآة لترى الواقف أمامها، هل يشبهك حقاً، هل يشبهك؟!..

العدد 1190 - 11/03/2026