بعد ربع قرن على «الثورة المخملية» في تشيكوسلوفاكيا: هل غابت الاشتراكية؟
هل كان وراء ربيع براغ عوامل سياسية أخرى، ترتبط ب (المعركة العامة مع الإمبريالية العالمية)، دفعت إلى تدخل قوات حلف وارسو في 21 آب 1968؟
وهل كان هناك إجماع بين الشيوعيين على السياسات التي شكّلت ربيع براغ؟
روى الرفيق فاسيلي بيلاك(1) خلال استقباله وفد الحزب الشيوعي السوري في أيلول 1981 أن تشجيعاً كبيراً، مختلف الأشكال، جاء من أجهزة غربية، لقادة ربيع براغ، وأن الكسندر دوبتشيك الأمين الأول للحزب، تفاخر في أحد اجتماعات المكتب السياسي بأنه سيقزّم الاتحاد السوفياتي؟!
يمكن العودة إلى الوثيقة التي صيغت في تلك الفترة والتي حملت عنوان : (دروس مستخلصة من الأزمة في تشيكوسلوفاكيا)، للتعرّف على المزيد في هذا الجانب.
بيد أن الدروس الحقيقية للأزمة، ما سبقها وما تلاها، لم تُستخلص كلُها بعد، بل هي تتكشف وتنضج إلى اليوم، وتصبح مادة للدراسة التاريخية، كما لتدقيق العديد من المفاهيم النظرية.
لكن المعرفة الإنسانية تتراكم وتنمو، عبر الهزائم كما عبر الانتصارات. لقد فشلت، في حينه، فرصة ذات قيمة أممية، لإمكان تطوير النظرية في ضوء نتائج تطبيقها الحيّ والمرن. بيد أن الفشل ذاته يطرح أسئلة من الماضي، لأجل المستقبل:
ماذا لو أتيح لربيع براغ أن يُزهر أكثر، من خلال مساعدة الرفاق التشيكوسلوفاك في تجريب أسلوبهم الخاص لتجاوز الصعاب التي ظهرت خلال شق طريق جديدة، غير مطروقةٍ بعد في التاريخ الانساني، بدل إدانتهم وقمعهم؟
كانت القيادة السوفياتية أكثر تشككاً وضيقاً وأقل صبراً تجاه ما يحصل على حدودها الغربية، في أتون الحرب الباردة، فسارعت إلى سلوك طريق إظهار القوة.
كان ذلك أحد أخطر الممارسات التي أسهمت بقسطٍ وافر، إلى جانب احتلال أفغانستان لاحقاً، في الانهيار المتدحرج للنظام الاشتراكي في بلدان شرق أوربا.
امتصّ الشعب التشيكوسلوفاكي، بطبيعته غير العنفية، آثار دخول قوات حلف وارسو بلاده. كان الشبان التشيك ينشدون للجنود الروس، وهم يحيطون بدباباتهم، في شوارع براغ:
عد إلى بيتك يا إيفان، فناتاشا تنتظرك..
هي ذاتها قدرة (الجندي الطيب شفيك)(2) على تحويل الإحساس بالألم والغضب إلى سخرية مريرة.
عودة إلى عام 1989: الشيوعيون ينسحبون بهدوء من السلطة
لم تكن الشعارات التي رفعتها حشود المواطنين، في أحداث عام ،1989 متطرفةً ومعادية للشيوعيين، على نحوٍ حاد، بل أن بعضهم شارك في تلك الحشود. لم يطرح المتظاهرون شعار (إسقاط النظام)، بل طالبوا بحريات أوسع وتغيير في أساليب الحكم وعدم تفرّد الحزب بالسلطة..
وعندما بدأت المفاوضات بين الحزب الشيوعي ورموز المعارضة(3)، ظهرت الأخيرة أكثر تردداً في حواراتها، بسبب افتقادها خبرة الحكم، وخصوصاً: لأن الوضع في الاتحاد السوفياتي لم يكن واضحاً من حيث الاحتمالات القادمة لتطوره.
عندما شُكّلت أول حكومة ائتلافية، استلم الشيوعيون فيها: 11 حقيبة وزارية (بما في ذلك الوزارات السيادية ورئاسة الحكومة) مقابل 10 وزراء للمعارضة.
لم يستمر الائتلاف طويلاً، فقد آثر الشيوعيون عدم رعاية تلك الفترة القلقة من تطور بلادهم، والاستعداد لظروف معقدة قادمة.
ورغم التحولات القاسية التي جابهها الشيوعيون (الذين لم يلغوا صفة الشيوعية عن حزبهم، (4)) فإنهم حصدوا ما بين 13-16% من الأصوات في انتخابات مجلسي النواب وانتخابات مجالس الإدارة المحلية، وجاء تصنيفهم كثالث قوة سياسية في تشيكيا، وهم الآن أقوى حزب شيوعي في أوربا الغربية.
يقف وراء استمرارهم ونجاحاتهم اللاحقة عوامل كثيرة، منها تاريخهم منذ الجمهورية الأولى، وقيادتهم للمقاومة ضد الاحتلال النازي، وسلوكهم السلمي خلال العودة إلى الرأسمالية، كما المحاولة التجديدية، ذات الطابع الوطني المستقل، خلال ربيع براغ، ثمّ دورهم المستمر، بعد التحولات، في الدفاع عن الفئات المجتمعية الأضعف.
ولكن الأساس الأكبر لكل ذلك، يكمن فيما يحملونه من جينات شعبهم وتقاليده العلمانية اللا عنفية وتسامحه وعقلانيته، وقدرته على التعايش مع جميع الاتجاهات والمشارب واختبار التجارب السياسية والاجتماعية المتنوعة وحتى المتناقضة، دون تطرف.
لا يمكن إغفال كون المواطن التشيكي أقل مواطني الدول الأوربية تديّنا، مع احترامه لحق التدين كمسألة خاصة تتعلق بعلاقة الفرد مع ربّه، وتقديره لرموزٍ مستنيرةٍ في الكنيسة الكاثوليكية التشيكية.
لهذه الأسباب مجتمعةً، لم تحقق حملات العداء للشيوعيين أهدافها، وسط شعبٍ، لم يكن يوماً انتقامياً.
هل انتهت الاشتراكية؟
كيف انعكست التغييرات الاجتماعية، مطلع تسعينات القرن الماضي، على المواطنين التشيك؟
تردّت، نسبياً، حياة بعض الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع: كبار السن والمتقاعدين. ونبتت فئة طفيلية من أثرياء جدد، اقتنصوا فرصة بيع أصول قطاع الدولة وممتلكاتها، في مسرحية توزيعها (بالتساوي) على مجموع المواطنين، مسرحية لم تقنع الشعب التشيكي.
بين الأثرياء الجدد عديد من القيادات الإدارية والحزبية التي استفادت من فرص الفساد التي أتيحت لها.
ظهرت البطالة ضمن معدلاتٍ، تُعدّ شبه طبيعية ومقبولة بالنسبة للدول الغربية، ولكنها لم تكن معروفةً في الزمن الاشتراكي.
في المقابل، تحسّن مستوى معيشة الفئات الوسطى وامتلأت الأسواق بالبضائع، بينما كان المواطن يتذمر، سابقاً، من فقدان العديد من المواد الاستهلاكية.
يُعترف على نطاقٍ واسع بأن السياسة الزراعية التي طبّقها الشيوعيون، إبّان حكمهم، كانت سياسةً متقدمة، مازالت تخدم الزراعة والمزارعين حتى الآن. ويمكن ربط أحد أسباب تردد الحكومة الائتلافية التشيكية الحالية في تبنّي إجراءات عقابية ضد روسيا الاتحادية(لقاء مواقفها في الأزمة الأوكرانية) بمصير موسم التفاح وغيره من المنتجات الزراعية التي تُصدّر إلى الجارة الشرقية.
يصعب الحديث عن أزمة اجتماعية كبيرة عاشها الشعب التشيكي، بعد التحولات. فالحدود النظرية الفاصلة بين الرأسمالية المتطورة وبين الاشتراكية الواقعية، لم تظهر حادةً قاطعةً كصراطٍ مستقيم، في واقع البلدان المزدهرة اقتصاديا، من النظامين، بحيث تخلق اضطراباتٍ، تهدّد السلم الأهلي.
دلّت التجربة التشيكية وسواها أنه كما انتقل إلى الاشتراكية كثير من عناصر الرأسمالية المتطورة، خصوصاً القوى المنتجة المتقدمة، فإن العودة منها إلى الرأسمالية لا تُغيّب كلَّ ما راكمته الاشتراكية، بل ينتقل منها أشياء هامة تتعلق بالمستوى الرفيع الذي وصل إليه مشروع العدالة الاجتماعية المفتوح على آفاق أرحب، وهو مشروع ينمو وينضج، في البلدان المتطورة، عموماً.
تُعدّ شبكة الضمان الاجتماعي الراهنة في تشيكيا، بما في ذلك الرعاية الصحية والمزايا الممنوحة للمتقاعدين وكبار السن، والحد الأدنى للأجور.. واحدةً من أفضل ما هو متوفر في العالم، بالتناسب مع قوة الاقتصاد التشيكي.
ثمة في التجربة السياسية والاجتماعية التشيكية كثيرٌ مما يُلهم العاملين على استمرار دولتهم ونهوضها واستعادة قدرة مواطنيهم على التعايش، بعيداً عن الغرباء حاملي الرايات السوداء.
حواشي:
(1) أبرز الأعضاء الأربعة في المكتب السياسي للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، الذين وجهوا الرسالة الشهيرة إلى الرفاق السوفيات، ناشدوهم فيها التدخل لإنقاذ الاشتراكية.
(2) عنوان رواية للكاتب التشيكي ياروسلاف هاشيك.
(3) أهمهم الكاتب المسرحي فاتسلاف هافل، رئيس الجمهورية الأول بعد التحولات، وقد سُمّي مطار براغ باسمه، مؤخراً، في بادرةٍ لا يطيقها المواطن التشيكي الرافض لتقديس جميع الرموز، وبخاصة تلك العائدة للشخصيات السياسية.
(4) أصبح اسم الحزب بعد الانفصال عن سلوفاكيا: الحزب الشيوعي في التشيك ومورافا.