أوراق متناثرة

وحيد أنا تتناهبني أوراق ذاكرتي، وأقلب صفحات ذاتي، فأرى سطوراً من الأسى الكامن في طيات روحي، وعبثاً أحاول البحث عن محطات الفرح الآفل منذ غادرتني مرافئي وحطت في البعيد. أرتجف من البرد الذي نخر عظامي وسرق مني شتاءات كانت ذات سنين دافئة.

أحلم بنسمات صيف لطيفة تجلو السواد عن كياني المضطرب وعن أمنياتي التي غابت في ويلات هدير البارود القاتم. وعن أسرار اليمام المهاجر إلى موطن الدفء والتكاثر. أمد يدي على صدري فتعريني وتكشف عن جروحي المبهمة.

أضغط أكثر على صدري فتزداد نبضات القهر، أقف وسط منفاي، غرفتي، أدور وأدور، تربكني خطواتي المتعثرة، عام مضى وأنا بعيد عن بيتي، عام مضى وأنا أمني النفس وأنعش ذاكرتي بأيام مضت كنت أقضيها ما بين شرفتي المطلة على الشارع العام وما بين غرفة الجلوس حيث التلفاز وأولادي يتنقلون أمامي، أمازح هذه وأنهر تلك وأنادي ابني من شقته الملاصقة كي أقبل ابنته الرضيعة، أذهب إلى غرفتي الصغيرة حيث مكتبتي والكومبيوتر، صوت الصغار من أولاد الجيران كان يطربني أحياناً ويستفزني أحياناً أخرى عندما أكون في حالة ارتباك كتابي. وكثيراً ما خطفني صوت زوجتي من حالة عشق كنت أعيشها على الورق.

عام مضى وقد فارقتني شرفتي ونهب اللصوص بيتي ومزقت كتبي وضاع أرشيفي الذي أحتفظ به منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، عام ونصف عام لم أر أولادي، حفيدي الذي حمل اسمي، ابن ابني الوحيد تجاوز الستة شهور ولم أره إلا صورة على الجوال، خُطبت إحدى بناتي، وكالغرباء علمت من ابني بعد انتهاء الأمر، لم آخذ مكاني كأب أتمعن العريس، أناقشه وأمتحنه وأسأل جيرانه عنه وعن عائلته وأدخل بيته وأرى كيف تسير حياتهم، ولم أفرض الشروط المعتادة، عامان لم أر فيهما والدتي العليلة، أتوق لتقبيل يديها جبينها قدميها، ويبقى توقي وصرختي طي الحرمان. وتغص الكلمات في حلقي ولا شيء سوى القهر يعتصر النفس وأمل يبدو بعيد المنال.

عامان ونصف العام ونحن نسمع أكثر ما يقال من شيم القتل والذبح والدمار، عامان ونصف ونحن تتناهبنا المنافي ومراكز الإيواء والشتات، عامان ونصف ونحن نركع لأنفسنا علنا نعود ونعيش كباقي البشر، نشعر بالأمان ونعيش باستقرار ويحتضننا الرضا والفرح كما كنا سابقاً. أتى الربيع مراراً وذهب سريعاً، وكذلك الصيف الذي حمل معه رائحة البارود والسواد، وبقينا نعيش الخوف والشتاء الحزين الذي يأبى أن يفارقنا، برد قارص يكوي الضلوع وجوع ينهش المعدة ويأس يعشش في النفوس. عامان ونصف وقد تغلغل في بلادنا من عاثوا فساداً وقتلاً، الذين لا يعرفون الماضي وليس لهم طموح إلى المستقبل.

أعود إلى ذاتي، أقلب صفحاتي المبعثرة، فأجد أنني أعيش في قمقم الوحدة المقيت، أخرج من الغرفة وأسلم نفسي إلى الشارع، إذ الوجوه المكفهرة والنظرات اليائسة، فالبعض يعيش حالة التردي والبعض الآخر يعيش الخذلان، وهناك من ينهش كالذئاب، فغول الطمع والجشع يغرز مخالبه الطويلة في أشباه الأجساد البائسة، وتجار الأزمات الطارئة يعيشون عصرهم الذهبي، جرة الغاز ب (2500 ل.س) ولتر المازوت ب (125 ل.س) وكيلو السكر ب (125 ل.س) و.. و.. والقائمة تطول ولا شيء رخيصاً سوى الإنسان.

الخوف سكن فينا ويلازمنا في خطواتنا وكلامنا ونظراتنا وحتى حركاتنا، كيف يمكن أن أدمن هذا الواقع وأعيشه بكل قساوته؟ أتوق إلى الصخب الهادئ والنور الصاخب، إن ما يعتصر القلب يضاهي وطأة نزيف الدم والألم.

رباه! نريد أن نعود إلى الواقع الذي كنا نعيش.

العدد 1188 - 25/02/2026