ويا ديمقراطية.. يا!!

ما أتمناه هو قراءة هذا المقال حتى آخر كلمة ما دمنا نتحدث عن الديمقراطية.. فهاهو ذا الربيع العربي قد أطلّ علينا وكأن الأمة العربية كانت بحاجة إلى هذا الربيع الأحمر.. الربيع عادة تكثر فيه الأزهار والنباتات الجميلة وتخرج الينابيع من معاقلها لتملأ الأرض خيراً ومحبة.. تورق الأشجار وتلبس رداءها الأخضر الجميل.وما أسرع محبي العرب الذين بادروا إلى التصفيق والتهليل والتطبيل لهذا الربيع!!.

الولايات المتحدة كانت من أوائل الدول التي دعمت وأيدت هذا الربيع وكما هو شائع في الأمثال (تبع الكلب ذيله) هبت فرنسا وبريطانيا وألمانيا ومعظم الدول الأوربية للتصفيق ليقظة المواطن العربي من سباته وثورته على حكامه في سبيل نيل الحرية والديمقراطية . تحدثوا عن دكتاتورية الرئيس التونسي زين العابدين بن علي عندما تأكدوا من حتمية هزيمته أمام مدّ الاحتجاجات التي أجّجوها.. ثم مع ميل الكفة لصالح المحتجين في ساحة التحرير بمصر أعلن باراك أوباما صراحة عن ضرورة رحيل (الشغّيل بتاعه) حسني مبارك فوراً علماً أنه كان عرّاب سياستهم في المنطقة وحارس حدود إسرائيل الذي أغلق بكل اقتدار معبر رفح عندما كان الفلسطينيون بحاجة لقطرة ماء.. وتسابقوا لدعوة حسني مبارك للرحيل نزولاً عند رغبة الشعب المطالب بالحرية والديمقراطية.. الديمقراطية التي جلبتها أمريكا من قبل إلى العراق وكان ثمنها عشرات الألوف من الضحايا واليتامى والثكالى.. إذا هي أمريكا الداعية الأولى للديمقراطية ومن خلفها أوربا راعية الحرية والمدافعة عنها فقط في بلدان العرب حيث الدم العربي مباح..!!

الربيع العربي الذي لاقى الترحيب من تلك الدول وطبعاً لا ننسى الجارة تركيا (الحريصة) على حرية الشعب العربي وديمقراطيته متناسية أربع مئة سنة من سحق الديمقراطية والحرية!! وكي لا نتهم بأننا نتمسك بالتاريخ المليء بالصراعات والنزاعات والخلافات وبأننا نقف عند ما يفرقنا بدلاً من أن نتعايش مع جيراننا الذين يكيلون لنا النصائح ملفوفة برصاصات الغدر وبالمتفجرات!!. الربيع العربي الذي ترافق مع ربيع آخر بدأ في شوارع أمريكا وقبله في بريطانيا عندما انتشرت أعداد كبيرة من الشباب العاطل عن العمل وبدأت تحرق وتكسر وتخرب في الممتلكات العامة والخاصة تماماً كما يحدث في ربيعنا العربي مع فارقين أساسيين:

الفارق الأول هو أن المطالبين بالحرية والديمقراطية والإصلاح في بلادنا مسلحون بالبنادق والرشاشات والسواطير والسكاكين ومعدات التفجير وكل ما من شأنه تقطيع أواصر المواطن والوطن وتفتيت العيش المشترك. في حين أن المطالبين بالحرية وبتأمين فرص العمل في أمريكا وأوربا هم من الشباب الفقراء الذين لا يجدون معهم ثمن حذاء. والفارق الثاني هو أن تلك الدول الأوربية إضافة إلى راعية الشر العالمي أمريكا وجارتنا الحريصة علينا والناصحة لنا وأقصد تركيا تصنف من يحمل السلاح ويقتل ويقطع الطرق ويمثل في الضحايا بشكل مريع ومنافٍ لكل الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية تصنفهم بالثوار في حين تطلق على أولئك الشباب الفقراء العاطلين عن العمل الذين انتشروا في شوارع بريطانيا وفرنسا وألمانيا ومؤخراً أمريكا بأنهم مخربون ولصوص وقطاع طرق وخارجون عن القانون وتستدعي تلك الدول الجيش والكلاب المدربة لملاحقتهم ومطاردتهم في حين تستخدم جارتنا الحريصة علينا وعلى امتلاكنا لناصية ديمقراطيتنا وحريتنا الطائرات ومختلف صنوف الأسلحة البرية والجوية لدك بيوت وقرى الأكراد الذين خرجوا للاحتجاج على الظلم والقهر الذي يعانون منه!!

إذاً هي ديمقراطيتهم التي يفصّلونها كما يشاؤون ويصدّرونها لنا على أساس أنها تصب في مصلحتنا وتدفعنا نحو الرقي والحضارة عن طريق الذبح والتقطيع في حين يسحقون أية احتجاجات تنادي بالمساواة وبالعدل وبفرص العمل في بلادهم أو المنادون بأبسط حقوق للمواطن!!.

حقاً إنها ديمقراطية الذئب الحريص على سلامة القطيع.. أيّة ديمقراطية، وأيّة حرية تلك التي تجرّنا إلى خراب بلادنا وتحويل ربيعنا الحقيقي إلى شتاء من دموع الأمهات ورياحٍ من صراخ الأرامل وبكاء اليتامى ؟؟!.. نعم.. كانت هذه هي ديمقراطيتهم التي أعتقد أننا قد خبرناها جيداً على مدى عدة عقود سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق أو السودان أو ليبيا أو.. أو.. فدعونا نرددها معاً ثلاث مرات يومياً قبل تناول أي طلقة من قناص أو شظيّة من هاون طائش: (ويا ديمقراطية.. يا)!!

العدد 1188 - 25/02/2026