مشافهة

أَشْبَهُ بفرسٍ جامحٍ، فقدت للتوِّ خيَّالها، كانت.. أو بِحورية أُقصيت لفورها عن البحر؛ منها بخُلاسية فارعة، أغرت المطر بقوامها، فعرَّاها من  مظلتها،واستخصّها من ثيابها.

***

ما خلا كونه فَصْلَ تعارفهما، فنادراً ما اتفقا في العلاقة به والنظر إليه..

تكره هي الشتاء، لاكفهراره وبرده وعنفوانه.

ويحبه هو، لصخبه وخصبه ومورانه.

تراه عتماً وغيماً ومبعثاً للاكتئاب.

ويرى فيه نشاطاً وحفزاً وبعثاً للتجدد.

***

يختلف عنها بطبعه ومزاجه وثقافته وتمثلِّه للأشياء.

وتختلف عنه ببيئتها وعملها وفهمها للقدر.

فقد يتزاعلان لأوهى سبب، ويتنابزان بألطف الألقاب وأشرف العواطف. ويتباعدان لساعات وربما لأيام، لكن لا يبتعدان، وسرعان ما يتهاتفان ويلتقيان، فتشدو هي لحن تساؤلها:

قليلاً ما نتحادث، ولا تعارضني في رأي أو تخالفني في أمر. وقلّما نجتمع ولا تعاتبني على حديث سابق أو غلطة عابرة. ومع ذلك لا أدري ما الذي يجعلني أنسى كل ما تسببه لي من حرَجِ وجرحٍ وألمٍ ونشفان دم. وأعود تسابقني إليك لهفتي وخطواتي، وكأن شيئاً لم يكن؟

ويُغرِّد هو تقاسيم إجابته:

ما بيننا من اختلاف وتعارض في الآراء والأفكار، و تحسبينه موجباً للتخاصم، هو ما يشدنا أحدنا إلى الآخر، ويحضّنا على التقارب أكثر فأكثر. فالمرء يامعذبتي الطيبة، ينجذب إلى الآخر يحثه التوق وتندهه المعرفة ، إلى الآخر الندّ والمختلف، ويرغب ويبتعد عن الشبيه والمماثل.

***

غالباً ما يمضي النقاش بينهما، كثلج شتاءٍ سريعاً ما يذوب، أو غيمة صيفٍ سرعان ما تنقشع..  لتتداعى منهما الأشواق وتتلاحظ فيهما العيون، ثوانيَ طويلة:

عينان شهلاوان، صافيتان كسريرتها وسماء صيف سهولها.

وعينان ملوّنتان، كجمال أحِّبته وقوس قزح شتاء جباله.

فإذا بها تختلف إليه، مُنسجمة ومُتَّهِمة: فيلسوف وتعرف من أين تؤكل الكتف!

وإذا به يختلف إليها حاضناً ومُصوِّباً: بل عاشقٌ وأعرف من أين تؤخذ الشَّفَة!

العدد 1196 - 29/04/2026