حجز مسبق..!!
هذه المرة لن أخفي عليكم شيئاً مما حدث معي، ولن أدع لمخيلتكم فرصة التخيل لما جرى . سأكون صريحاً وواضحاً لدرجة تجعلكم تضحكون من أعماقكم.. فالقصة التي سأحدثكم عنها جرت معي شخصياً ولم أسمعها من أحدٍ أبداً.. قد يقول قائل إنه سمع بها من قبل ويبدأ بالضحك في سره على اعتبار أن سرقات كهذه حدثت وتحدث في عالم الأدب.
المهم – كما يقولون – من دون يمين (حتى ولا يسار) كنت قد تلقيت دعوة لحضور حفل زفاف صديقي القديم (فواز) وكنتُ قد سمعتُ من قبل أنه تزوج من تلك الفتاة التي كان على علاقة معها منذ أمد قليل. ولا أخفيكم أنني فوجئت في البداية، وخمّنت أنها قد تكون الزوجة الثانية له. لكن، بعد حصرٍ وعصرٍ لذاكرتي المليئة بالأحداث والتواريخ والأسماء للساحات والشوارع والأبنية العامة تذكرت اسم العروس، وعلمت أن خبرية زواجه كانت محض كذبة من إحداهنّ، ولم أعد أتذكر ما إن كنت قد سمعت بها في الأول من نيسان!
وما دمت وعدتكم بقول الحقيقة دون نقصان، فقد استغربت طيلة النهار من عدم ذكر العرس على لسان زوجتي، فظننتُ أيضاً أنها قد أشفقت على ما بقي معي من راتبي، فلم أشأ أيضاً أن أسألها فيما إن كانت ستذهب أم لا.
كنا جميعاً في الصالون نتابع أحد البرامج الترفيهية، وفجأة التفتت ابنتي رند وقالت : (والله عيب ما تروح على عرس صديقك يا بابا)!
حاولتُ أن أختلس من وجه زوجتي انطباعاً يعبّر عن موقفها من ذلك، ونجحتُ في اقتناص موافقتها على الذهاب وحدي، وبهذا سأوفّر ما تحتاجه مستلزمات حضور حفلات الزفاف من ماكياج وسيشوار وملابس جديدة وغير ذلك.
نهضتُ مسرعاً وما هي إلاّ دقائق حتى كنت جاهزاً للانطلاق لحضور الحفل، وهنا وقفت الزوجة لتفقّد (سفيرهم) إلى حفلة زفاف صديقه القديم، وبدأت تسحب بعض الخيوط العالقة بالطقم الذي بات من الضروري استبداله وتسريحه من الخدمة.
قالت ابنتي ريم : وحياة الله يا بابا صار لازم تبدّل هالطقم!. يعني ما فيه مناسبة إلاّ وحاضرها معك!. حرام عليك!
وقبل أن يتطور الحديث ويطول الحذاء الذي بات بحاجة ماسّة إلى صيانة عامة كحال الطرق في الدريكيش ، والساعة التي لا تعمل إلاّ باللطم، تماماً كما يفعل سائقو سرافيس طرطوس الدريكيش عند عودة الموظفين من دوامهم، وربطة العنق المبتورة كربطة الخبز بطرطوس بعد أن تقلص وزنها من 1450 غرام إلى 1100 غرام، والموبايل الذي هو من الجيل الأول ونوع العطر الذي يشبه عطر الموتى .. قبل كل هذا انصرفتُ وأنا أمنّي النفس بشيء من المعسّل الفاخر وقليل من الويسكي، فصديقي فواز يعرف أنني من محبي الويسكي، مادام كل ممنوع مرغوباً (طبعاً بسبب الميزانية الشهرية).
كانت صور عديدة تحاول إخفاء معالم الطريق، وأنا في الطريق إلى المقصف، وعادت قصة الأسماء والتواريخ تدغدغ ذاكرتي، فالمقصف يدعى قيس وليلى، وهنا تذكرت عذابات الشاعر الكبير قيس بن الملوح مع عشيقته ليلى، وتساءلت كيف كانا سيحتفلان بزواجهما فيما لو كانت هذه المقاصف على أيامهما؟!. كيف كانا سيدخلان إلى الصالة؟ وكيف كانت ليلى ستصبح بعد إضافة اللمسات الساحرة عليها في محلات التزيين التي باتت أكثر من الهم على القلب؟ وهل كانا سيستبدلان بالناقة والجواد العربي الأصيل، سيارة من السيارات الفارهة التي يركبها أولاد المسؤولين هذه الأيام؟!
ها أنذا على الجانب الغربي للمقصف الهادئ تماماً!. لا وجود للسيارات ولا للموسيقا ولا لأي شيء يوحي بأن هناك حفلة في هذا المقصف. توجستُ خيفة وترددتُ كثيراً في الاتصال بصديقي القديم، ورأيت أنّ من الأفضل أن أترجل من السيارة، وأستفسر عن السبب من عمال المقصف:
– مساء الخير، شباب!
اقترب أحدهم مني مبتسماً وقال:
– ياميّة أهلين وسهلين، تفضل .. المعلم بالصالة.
التفتّ يميناً وشمالاً مما أثار شكوك البقية فتقدموا باتجاهي وقال أحدهم :
– خير!. مين حضرتك؟ وشو بتريد؟!
قلتُ وأنا أتحاشى الانزلاق في مشكلة مجانية:
إنني مدعو لحفلة صديقي فواز . أليس اليوم هو الخميس؟!
ضرب كبيرهم كفاً بكفّ وجلس على أقرب كرسي، وأطلق ضحكة كادت أن توقظ قيس وليلى من صفحات التاريخ، وقال:
الحفلة فعلاً يوم الخميس، لكن الخميس القادم وليس الحالي!. ألم تقرأ التاريخ على بطاقة الدعوة؟!. على كل حال يمكنك الانتظار حتى الخميس القادم! أو يمكنك أن تحجز لنفسك كرسياً بشكل مسبق .. مستعدون لتقديم الماء من الحنفية مجاناً!
عدتُ من حيث أتيت وأنا أضحك في سري وألعن المقاصف والحفلات وأترحم على جدتي التي كانت تحدثنا دوماً عن حفلة زفافها في ساحة القرية، وعن زمارة حسينو وطبل دعبول، وعن حمار أبو علي الذي يذكره دائماً بالخير!!