علو… التائه في الحلم أيضاً «مقطع من رواية لن تكتمل»

ولم يكن أمام علو القادم من (سينور)، ضيعته القصية على تخوم دجلة، إلى خرائب الجوع، سوى أن يشد الرحال إلى دمشق.. سيجد عملاً بمعية أبناء عمه الذين يمضون معظم أيام السنة هناك، ويعودون في إجازات قصيرة محمّلين بهدايا وبما تيسر لهم أن يوفروه من أعمالهم في المطاعم والعمارات التي بدأت تغزو المدينة وأطرافها، و(البسطات) التي تحط وتطير بسرعة البرق حسب طقس حاملي مفاتيح الرزق من شرطة وبلديات و..

هل نسيتُ تلميع أحذية المارة وبيع اليانصيب وأكياس النايلون الفارغة للمتسوقين من سوق الخضرة الذي كان يتوسط البلد؟

لم أنس، لكنها كلها أعمال من الجنس نفسه، لا يلجأ إليها سوى من تقطعت بهم السبل فارتبطت مصائرهم بها، أفقهم حذاء تراكم عليه الغبار، أو طاولة يجتمع عليها بعض الصاعدين الجدد إلى سفينة الثراء.

جاء علو بسمرته الداكنة من صيف قائظ كان يقضيه سابحاً في نهر قريب أو غائصاً في الطين، لعبته الأثيرة هو وأقرانه، الطين لعبتهم التي تملك مرونة التحول إلى شتى الألعاب تساعدهم في ذلك بعض الأحياء النهرية من أسماك صغيرة وسلاحف وسرطانات وحنكليس، وحتى بعض أفاعي الماء اللدنة لمن كان يملك جرأة القبض على رؤوسها وتحويلها من موت محتم إلى لعبة خطرة تجعل الآخرين يسبغون عليه الألقاب والأنساب الشريفة..

علو الآن يتسلق جبل قاسيون ليصل إلى غرفته النائمة على آخر صخرة استطاع الفقراء أن يسندوا عليها بيوتهم النائمة على الهواء، ينام حالما بالجارة التي رآها خلسة تنشر الغسيل على السطح الأدنى من غرفته، كان التصاق الثوب الشفاف  لقِدَمِه  بالجسد يعطي علو مادة لأحلامه الليلية والنهارية.. رأته مرة يسرق بهاء أنوثتها بعينيه، فابتسمت.. إذاً هي وليمة قادمة يوماً يا علو!!

لكنه قدر الكردي، أحلام ضائعة، وسديم مغلف بروائح البارود والكراهية.. لم يكسب علو من أنوثتها سوى صفعات وعصي انهالت عليه يوماً، وتهديدات بالقتل جعلته يحمل أسماله ويرحل إلى غرفة أخرى على سفح آخر من الجبل، الذي ينتظر زلزاله القادم منذ أكثر من قرن، وقد هيأ للائذين به انهداما  قبراً جماعياً  يليق بسكان الانكسارات والتخوم الضائعة في خرائط المستعربين والمستشرقين.

علو… أما كان من الأفضل لك أن تبقى في الضيعة ترعى دوابها مع إخوتك وتلم بداية كل شهر ما يتوجب على أصحابها مالاً أو برغلاً أو بيضاً..

(كنتَ تعرف بداية الشهر من الملا أو سمان، ولاحقاً من معلم المدرسة الطينية الوحيد، الأستاذ نزار، الذي جاء من أقصى الغرب محملاً برائحة البحر ونعومة أبناء المدن)، الاستثناء الوحيد كانت العجوز التي وعيتَ عليها وحيدة لا ولد ولا زوج لها (بيري خاتون)، التي لا تدفع لك عن بقرتها الوحيدة، لكنكَ كنتَ تدخل حظيرة بيتها كل صباح لتخرج بقرتها، فيما بقية النساء يُخرجن بقراتهن بأنفسهن، حتى فاطمة، الفتاة المغسولة بماء النارنج، الظبية التي كبرت بسرعة أفقدت الرجال عقولهم تفترس عيناك تفاصيلها كل صباح، تترامشان مع النهدين اللذين يرقصان بحرية في الفستان الفضفاض والمؤخرة التي تتمايل بوضوح: (أقسم بالله أنها لا تلبس تحت الفستان شيئاً)، هكذا فسّرْتَ تموجات الغواية الفائرة من أطراف الجسد الناري، رغم أن الكرديات كن يلبسن بضع طبقات من الثياب تحت فساتينهن الملونة حتى لا يخرج وحش الإغواء من مكمنه.

فاطمة تزوجت، ومن بقي من أبناء القرية باع دوابه وبحث عن مصادر أخرى لحياة رأى الأستاذ نزار أن الموت أشرف منها بكثير، بعد أن أصبحت حصيلة عام قضاه في (سينور) اكتئاباً ما زال يعالج منه في مدينته البحرية…

 حتى (بيري خاتون) غادرت أيضاً، وجدوها متجمدة في غرفتها الطينية.. كانت تحمل بيدها بعض الحطب اليابس لتشعل المدفأة الباردة، لكنها تيبست تماماً كالحطب الذي كان في يدها، لم يبق أمامك إلا السفر إلى دمشق.

علو يمضي في السادسة صباحاً إلى حيث يأتي الباص الكبير الذي يحمله مع عمال وعساكر وطلاب يتأبطون كتبهم ومشاريعهم، وعندما يقذفه الباص إلى جوف المدينة ينضم إلى حشود تنتظر من يشير إليها لتتسابق إليه، علّه يكون رب العمل الجديد.

لم تكن في (سينور) سوى سيارة مرادو الأعور، الذي كان يخرج صباحاً إلى ديريك محملاً ببقج القرويات وبعض الذاهبين لقضاء أعمال في دوائر الحكومة، التي تعتبر الامتحان الأكبر أمام كردي يتلعثم بلغة عربية متشظية مع موظفي الدولة القادمين في معظمهم من مدن الداخل، إضافة إلى بعض أبناء المدينة الذين لا يحبون بطبعهم وظائف الدولة، ويفضلون عليها الحرف الحرة والمربحة، وقليل من البدو المتعلمين، وعدد أقل من الأكراد الذين أنعمت الحكومة عليهم بوظائف رفعتهم إلى مصاف الرجال المهمين.

علو.. أيها الحالم ب(سينور)، بفاطمة تحمل بقجتها وتدعوك لأخذها (خطيفة) إلى قرى الجبل البعيد القريب.. أيها الحامل عبء الرماد.. أي شجر يتسع لطيور حلمك؟!

العدد 1190 - 11/03/2026