ويبقى الصناعيون في مهب الروتين والقوانين الجائرة!

لم تدع الأزمة التي مازالت تعصف بسورية مرفقاً أو قطاعاً إلاّ ودخلته، بعثرت استقراره وديمومته.. ولو حاولنا تعداد الأضرار التي سببتها تلك الأزمة، لاحتجنا إلى مجلّدات كثيرة، ولكن سنتناول في هذه العجالة أحد أهم المنعكسات السلبية والخطيرة لهذه الأزمة على قطاع الصناعة.. فالصناعة هي الركيزة الأساسية لكل تطور. ولا شك أن المشاهد المؤثّرة التي تابعنا فيها عمليات سرقة المعدات والآليات من حلب، مازالت حاضرة في الأذهان، تلك المعامل التي عمدت المجاميع الإرهابية إلى فكّها وسرقتها وبيعها لتجار أتراك شركاء في سفك الدم والاقتصاد السوري.

إن الكثير من الصناعيين الشرفاء فضّلوا البقاء في سورية والعيش فيها حتى ولو كان ذلك على حساب لقمة عيشهم، فالتجؤوا إلى المناطق الأكثر أمناً وأماناً، وقصدوا محافظتي طرطوس واللاذقية، ولكن هل تمت إجراءات نقل مابقي من معاملهم ومشاغلهم الحرفية كما هو مطلوب؟! ما أكده لنا عدد من الصناعيين من محافظة حلب ممّن التقينا بهم، يؤكّد عكس ذلك، إذ إن الإجراءات والبلاغات والقوانين قد حصرتهم في زوايا ميّتة كما يقال، لا يملكون فيها أي فرصة للاستقرار والاستمرار في عملهم.

مدير صناعة طرطوس

للوقوف على حقيقة ما سمعناه من أكثر من مصدر، التقت جريدة (النور) مع عدد من المعنيين في المحافظة، ومنهم المهندس عمار علي، مدير صناعة طرطوس، الذي تحدث إلينا حول هذه القضية، مشيراً إلى الاجتماع الذي عقد بين مديري الصناعة ووزير الصناعة منذ اندلاع الأحداث في حلب، وكانت هناك عدة مقترحات لتبسيط الإجراءات المتعلقة بالإخوة الصناعيين، ومن أهمها صدور بلاغ السيد رئيس الحكومة رقم 17/5/ب لعام 2013 الذي نصّ على أنه يحق لأي صناعي يريد الانتقال من محافظته إلى محافظة أخرى أن يستأجر أي عقار في المنطقة الصناعية، وهذا مالم يكن مسموحاً به من قبل، إضافة إلى إلغاء بعض شروط الترخيص كالتي كانت تستوجب أن يقام الترخيص على مساحة 4000 متر مربع، إضافة إلى إعفائهم من شرط أن يكون المعمل ضمن المنطقة الصناعية، علماً أن مجمل الرسوم التي يدفعونها لا تتجاوز 35 ألف ليرة سورية.

ويضيف المهندس عمار علي بأن مجرد وجود عقد إيجار مع مالك أي مستودع مرخّص في البلدية يكفي لأن نسمح للصناعي بنقل معداته إليه، وأعتقد أن هذا الإجراء بسيط جداً. وفي معرض سؤاله عن عدد الصناعيين الذين نقلت معاملهم بشكل فعلي، أوضح مدير صناعة طرطوس أن نحو 37 صناعياً قد انتقل بشكل فعلي حتى الآن.. وفي حقيقة الأمر فإن محافظتي طرطوس واللاذقية قد استوعبتا الكثير من الحرفيين الذين لا يملكون معامل، ولكنهم يملكون الخبرة الفنية، فكانت التشاركية بين عدد من هؤلاء ومن أصحاب رؤوس الأموال في المحافظة، وبهذا الشكل هناك الكثير من الأمثلة على هذه الحالة التي بدأ فيها إنتاج الألبسة الداخلية وصناعة النعلة والأحذية والجلديات بأنواعها. طبعاً الأمر لا يحتاج لأكثر من 48 ساعة، ولكن على مايبدو وكما وجدنا في أكثر من حالة، فإن عدداً من الصناعيين لم تكن لديهم تراخيص في محافظاتهم، وربما من هنا كانت معاناتهم مع السماح لهم بنقل معاملهم.

وفي إحصائية لعدد المنشآت المنفذة خلال عام 2014 تبين أن هناك 96 حرفة برأسمال 50 مليون ليرة سورية، وعدد العمال فيها نحو 200 عامل، في حين بلغت المنشآت الصناعية نحو 37 منشاة برأسمال 150 مليون ليرة سورية، وعدد العمال فيها 240 عاملاً، أما المنشآت التي صدر لها قرار التنفيذ خلال عام 2014 فكانت 111 حرفة برأس مال 67 مليون ليرة، وعدد العمال فيها 250 عامل، و65 منشأة صناعية برأسمال 850 مليون ليرة، وعدد العمال 350 عاملاً. أمّا المنشآت المنفّذة حتى نهاية عام 2014 فكانت 5750 حرفة برأسمال 950 مليون ليرة، و9850 عاملاً مقابل 895 منشأة صناعية برأسمال 4 مليار ليرة سورية، و3630 عاملاً، أمّا المنشآت المستثمرة فكانت 23 منشأة بـ3 مليار ليرة سورية وعدد العمال 1250 عاملاً. ومن الجدير ذكره أن هذه المعامل قد بدأت بالإنتاج، سواء تلك المتعلقة بصناعة الصابون أو زعتر المائدة أو الملبوسات أو صناعة الكابلات والأسلاك وغيرها.

الأستاذ كفاح قدّور، رئيس غرفة التجارة والصناعة بطرطوس، تحدّث عن معاناة الصناعيين مع وجود عدد من القوانين التي تعيق انتقال الصناعيين من المحافظات الساخنة إلى طرطوس، مشيراً إلى عدم صوابية شرط الانتقال المؤقت، إضافة إلى أن التشريعات الكفيلة بتطوير المنطقة الصناعية لم تكن مترافقة مع الأزمة، فحتى الآن مازالت المنطقة الصناعية بطرطوس ترخص لطابق واحد، وبعد جهد جهيد شكلت ورشة عمل لتطوير المنطقة الصناعية بما يكفل استيعاب كافة الأخوة الوافدين، فجرت الموافقة على زيادة طابق واحد، علماً أن بعض الصناعات تحتاج إلى أكثر من طابقين أو ثلاثة كي لا تتوزع جزئيات المهنة على عدة مقاسم.. وعلى سبيل المثال من غير المنطقي أن يكون النجار في مقسم والحفار في مقسم آخر والبخاخ والمنجد في مقاسم متباعدة وهكذا.

وقد شدّد الأستاذ قدّور على عدم صحة المخطط العمراني في ظل الملكيات البسيطة والمجزّأة، وتساءل كيف يمكن إقامة مشاريع صناعية مع وجود شروط كأن تكون المساحة 4000 متر مربع، وأن تكون الأرض غير مروية، وأن تكون غير مشجّرة، وأن تكون خارج المخطط التنظيمي وخارج منطقة الحماية مع مراعاة تصنيف التربة؟! التخطيط العمراني لا يزال يعمل وكأن عدد سكان سورية 4 ملايين نسمة، متسائلاً إن كان يجوز تطبيق المخطط العمراني لغوطة دمشق على طرطوس؟!. وقد أثار الأستاذ قدور عدة مطالب منها تفويض السيد المحافظ وغرفة الصناعة بتسهيل إقامة المنشآت الصناعية، وتعديل البلاغ رقم ،9 وعدم الخضوع لنظام الضابطة وموافقة اللجنة الإقليمية، وحصر الموافقة في عد الاعتداء على الأملاك العامة والطرقات.

المهندس علي السوريتي، رئيس مجلس مدينة طرطوس، أكد على أن البلدية وضعت مشروعاً لتطوير المنطقة الصناعية بطرطوس لتصبح من طابقين إلى ستة طوابق، ولكن لم يوافق عضو اللجنة الإقليمية ممثل وزارة الإسكان على ذلك، بل كانت الموافقة على طابق واحد فقط، وكانت الموافقات على طابقين بأماكن محدودة جداً، وهذه هي احد أهم المعوقات أمام نقل الصناعيين لمعاملهم واستقرارهم بطرطوس.

وفي معرض رده على سؤال عن مدة الحصول على الموافقة، أكد أنها لا تتجاوز خمسة أيام في حال عدم وجود مشكلة، ونوّه إلى أن عدم وجود مناطق جديدة من أجل التوسع في المنطقة الصناعية يشكل عقبة كبيرة في وجه استقرار الصناعيين.. وأضاف بأن هناك مشكلة أخرى تتجلى في المرسوم رقم 9 والمخطط التنظيمي.

رئيس مجلس مدينة طرطوس أشار إلى أن هناك تشاوراً مع مديرية الكهرباء من أجل التخفيف من التقنين وحصره خارج أوقات عمل المدينة الصناعية، أي قبل الثامنة صباحاً وبعد الرابعة ظهراً.. وأضاف بأنهم بصدد تركيب عدد من المحولات لتخفيف الضغط عن المحولات الموجودة حالياً للتخفيف من استجرار الطاقة. وفيما يتعلق بالنفايات الصناعية طالب السوريتي برفد مجلس المدينة بعدد من الآليات المخصصة للنفايات الصناعية التي تختلف عن النفايات العامة.

أخيراً كان اللقاء مع المهندس ثائر محمود مدير المنطقة الصناعية الذي أشار إلى أن الحل الجذري يكمن في إقامة المناطق الصناعية وتجهيزها، وتذليل كافة الصعوبات ومنح تراخيص دائمة وتعديل نظام الضابطة بما يسمح للأخوة الصناعيين من إقامة وإشادة ما يحتاجونه من طوابق بغض النظر عن قرارات اللجنة الإقليمية. وتحدث الأستاذ ثائر عن التعاون مع مديرية الكهرباء وفق تعليمات السيد محافظ طرطوس لتركيب عدد من المحولات، إضافة إلى زيادة عدد العمال المكلفين بعمليات النظافة وترحيل المخلفات.

أخيراً: مهما يكن فإنه من غير المنطقي أن نبقى مكبلين بقوانين وبلاغات تعيدنا إلى الخلف سنوات وسنوات، في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى كل ما من شأنه أن يدفعنا إلى الأمام ولو خطوة واحدة، فهل ستحمل لنا الأيام القادمة ما يبشّر الأخوة الصناعيين بقرارات وبلاغات تنسجم والمرحلة الراهنة، وتشجّعهم على الاستمرار في تقديم كل جهد وكل قطرة عرق في سبيل الارتقاء بالصناعة المحلية؟! سؤال نضعه برسم المعنيين بهذا!

العدد 1195 - 23/04/2026