الطابور السادس
يعود ظهور مصطلح الطابور الخامس إلى حقبة الحرب الأهلية الإسبانية (1936- 1939) وتذهب أغلب الروايات إلى أن أول من ابتدع هذا المصطلح هو الجنرال الإسباني كويبو كيللانو، أحد قادة قوات الجنرال فرانكو الزاحفة نحو العاصمة مدريد من جهاتها الأربع، فقد قال يوم ذاك إن للثوار طابوراً خامساً يعمل في قلب العاصمة، وأراد به أهالي المدينة المتعاطفين مع الثوار، ومنذ ذلك الحين شاع هذا الوصف حتى بات مصطلحاً عالمياً يستخدم للدلالة على الفئات التي تعمل لحساب جهة خارجية، ومن ثم غدا مرادفاً لنعوت الخيانة والعمالة وأُنشئت أجهزة متخصصة لرصد نشاط هذه الفئة المرتبطة بالعدو ارتباطاً عضوياً مباشراً عن سابق نية ودراية، لأسباب قد تكون سياسية بحتة أو نفعية أو لغيرها من أسباب أخرى قد يجد فيها أصحاب النفوس الضعيفة ذريعة لتبرير هذا السلوك الشائن.
ثمة فئة أخرى تشترك مع الطابور الخامس من حيث قيمة الخدمات التي تقدمها للعدو والنتيجة التي يجنيها هذا العدو من خلالها، ولكن من غير المستحسن إلحاق هذه الفئة بالطابور الخامس نظراً لاختلافها، عنه، لا من حيث ماهية الخدمات التي تقدمها للعدو وشكلها، بل من حيث طبيعة النوايا ودوافع أصحابها الذين يدينون بالولاء للوطن في الأصل، يفرحون لفرح أبنائه ويحزنون لحزنهم ويألمون لألمهم، ولكن هذا الانتماء الأصيل تشوبه قناعات وأفكار باطلة تتجلى سلوكاً وممارسات شاذة لا تمت لمفهوم الوطنية والمواطنة بصلة، وإن بدت في أعين مرتكبيها غير ذات شأن ولا تمس صميم وطنيتهم وانتمائهم، إلا أنها في جوهرها وجه من أوجه العدوان على الوطن وإن اختلفت الأساليب وحسنت النوايا، لذلك ودفعاً للخلط بين هاتين الفئتين واقتباساً عن كيللانو في تصنيفه للطوابير المؤثرة على مجريات ونتائج المواجهات يمكننا أن نطلق على هؤلاء مجازاً تسمية الطابور السادس.
ولأن الوطنية مفهوم لا يقبل التجزئة والتقسيط، فالأجدر بكل من يعتبر نفسه مواطناً حقاً أن يربأ بنفسه عن كل سلوك يشذ عن روح هذا المفهوم المقدس، تحت أي ظرف أومسمى كان، مهما بدا له هذا السلوك ثانوياً وغير ذي بال، لئلا يضع نفسه في عداد من تنطبق عليهم تسمية الطابور السادس، فالتاجر الذي يحتكر السلع ويرفع أسعارها على قاعدة أن (التجارة شطارة) هو طابور سادس، والموظف الذي يبيح لنفسه تقاضي رشوة كبرت أو صغرت تحت مسمى (للضرورة أحكام) هو طابور سادس، والمواطن الذي يتبع أساليب ملتوية للحصول على ما يراه حقاً تحت عنوان (مكره أخاك) هو طابور سادس، والساكت عن ممارسات كل هؤلاء وأمثالهم تحت عنوان (فخار يكسّر بعضه) هو طابور سادس أيضاً، لأن الانكفاء عن الفعل الإيجابي هو بحد ذاته فعل سلبي.
لا شك أن هناك من لا يقبل بتمييز هؤلاء – من حيث النتيجة طبعاً – عن الطابور الخامس بتوصيفه المتعارف عليه، وله في ذلك حجة ومقال، وهذا مؤشر على دقة الخط الفاصل ما بين سلوكهم وسلوك من يَسهل رميه بتهم الخيانة والعمالة، ولذلك فالأجدر بمن لا يرى في ما يرتكبه من (صغائر) ما يوجب نعته بتهمة الخيانة المقيتة، أن يجتنب موطن الشبهة الخطير هذا الذي قد لا ينفع معه ترفعه عن ارتكاب الكبائر، وليعلم أن العدو المتربص بالوطن شراً لا يطمع منه بأكثر من ارتكاب تلك الصغائر التي لن تلبث أن تتجمع وتتفاقم لتغدوا منفذه للولوج إلى عقر داره، وحينئذ لا ندم ينفع ولا توبة.
القضية برمتها هي قضية أخلاقية في المقام الأول ولا سبيل إلى اختزالها وتأطيرها في إطار قانون جامد بالغاً ما بلغ من التطور والشفافية، وحسبنا في هذا المقام قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا