اذكروا محاسن صرافاتكم !

لا أخفيكم أني في كل صباح قبل أن أغسل وجهي، أحمد الله على أني عشت (العمر كله وزماني كله) تحت رعاية حكومات حكيمة – لاحظوا أن أصل كلمة حكومة من الحكمة – وأقول حكيمة لأنها دوماً تفكر بمصلحتنا دون أن نشعر بذلك، ولا داعي لأضرب لكم مثلاً في منع استيراد البالة (حرصاً على صحتنا) ومنع تصدير الغنم (حرصاً على صحتنا أيضاً) وغير ذلك من القرارات الحكيمة، وإنما فقط سأتحدث عن الصرافات الآلية، والحمد لله ثانية أننا عشنا في عصر الصرافات، فهل يمكنكم أن تتخيلوا حياتنا من دونها؟ لا بد أن الذي أدخلها إلى بلدنا شخص عبقري جداً، ويدرك فوائد رياضة المشي من جهة، كما أنه يؤمن بحق الموظف السعيد في الخروج بجولة سياحية كل آخر شهر، ليقبض راتبه العتيد، ويستكشف فيها معالم مدينته، ويستمتع بالتسكع في شوارعها الهادئة! كما أنه منحه حجة جديدة لمغادرة مكتبه في ذاك اليوم المبارك من الشهر وفي العشرة الأولى منه… فالغافل الذي ينزل إلى المدينة وقتذاك، سوف يلاحظ ازدحاماً غريباً في الشوارع فيظن- لا سمح الله – أنها مظاهرة ولا يعرف أنه جموع الموظفين وقد (طشّت) هنا وهناك تبحث عن صراف ابن حلال ليقبضوا رواتبهم، وأول البشائر حين يهتف أحدهم لزملائه (لقد فعلوها أخيراً)! والمقصود أن النقود وصلت بعون الله من البنك إلى الصراف. فكما تعلمون هناك رحلة شاقة على النقود أن تقطعها لتصل إلى هناك، إذ يلزمها وقت حتى ترتدي ثيابها وتتبرج ثم تركب سيارتها، ولا يستبعد أن يوقفها شرطي السير لمخالفتها السرعة المحددة، ثم تصل إلى الصراف وتضع نفسها في خدمتنا. هذا إذا كانت الشبكة شغالة طبعاً، وبعد الشبكة يجب أن تحظى بنصيب من الكهرباء، لأن الأخ الصراف لا يعمل بقوة (النق) التي كنا نستعملها مع معتمد الرواتب سابقاً! وعند ذلك، إذا رأيت زميلك في الشارع يسير مختالاً بجيوبه المنتفخة وخدوده المتوردة، تستطيع أن تسأله عن السبيل، فيدلك: ( لقد قبضت من الصراف الذي تقطن تحته شحادة منقبة ترضع ابنتها حليب نيدو… هل عرفته؟) فتركض إلى هناك، تعثر على الشحادة وابنتها ولا تعثر على نقود في الصراف، فتندفع نحو الصراف الآخر الذي رابط بجانبه بائع بوشار يُسلّي ببضاعته جموع الموظفين الضجرين من الانتظار، وهناك تأحذ دورك في الطابور، وقد يحالفك الحظ إن كنت عازباً بالعثور على فتاة أحلامك هناك، لأن الصرافات تلعب في حياتنا ذلك الدور الذي كانت تلعبه عين الماء والنبعة في حياة أجدادنا، إذ بإمكانك أن تظهر مروءتك للفتاة بأن تعطيها دورك، أو تظهر شجاعتك بأن تتشاجر مع الرجل الذي أطال الوقوف عند الصراف لأنه يحمل في يده بطاقات العيلة والأقارب ليقبض بالنيابة عنهم! عندئذ قد تلتفت إليك المحروسة وتبدأان الحديث التقليدي، لا عن الطقس طبعاً، وإنما عن الغلاء، تشكو لها ارتفاع أجرة البيت الذي تقطنه مع عائلتك بعد تهجيركم من بيتكم، فترد عليك دون أن تفارق عينها وأصابعها شاشة جهاز الموبايل الحديث الذي تحمله: (معك حق، الدنيا نار، تصور اشتريت الجزمة بعشرة آلاف ليرة) وعندما تفهم أن ليس هناك نصيب، تندم لأنك أعطيتها دورك، ولكنك تستمر في الوقوف، ولكي تنجح في امتحان الصبر عليك أن تتحمل مقلباً آخر، فعندما يصل الدور إليك، قد تجد أن السكتة قد أصابت الصراف، وتوقف النبض عنده، عند ذلك، ما عليك إلا أن تحمد الله أن السكتة من نصيبه وليست من نصيبك، ثم انسَ الموضوع وإلى الوراء در.

 على سيرة السكتات، تذكرت حادثة شهدتها في أحد المشافي قبل سنوات طويلة، يعني قبل أن ندخل عصر الصرافات، فقد كنت واقفة في قسم الإسعاف أتأمل خلق الله، وإذا بمريض يدخل محمولاً على نقالة، وحوله حشد من البشر أشكال وألوان، أحسست أنهم ليسوا أهله، لأنهم بدوا شلة غير متجانسة، لا يجمعهم شيء سوى لهفتهم على الرجل الذي كان فاقداً الوعي، سألتهم عن قصتهم، فأجابوا بأن المريض زميلهم في العمل، وقد أصيب بنوبة قلبية أثناء الدوام، ولماذا أتيتم كلكم معه؟ قالوا: إنه معتمد الرواتب في الشركة، والدنيا آخر الشهر!

هل عرفتم الآن الفرق بين الصراف الآلي والصراف البشري؟ وبذمتكم هل رأيتم أحداً يبادر إلى إسعاف تلك الصرافات المجلوطة في شوارعنا؟ على كل حال أتوقع بعد زمن أن يبادر بعض المحسنين إلى إنشاء صرافات خاصة على أرواح أمواتهم، أي على مبدأ السبيل، تقبض أموالك منها ثم تقرأ الفاتحة لهم…

العدد 1140 - 22/01/2025