أسراركم.. ليست لكم
جاء في معنى السرّ قولهم: ما تكتمه وتخفيه.. والسرّ يأتي بمعنى الأصل، والسّر من كل شيء: أكرمهُ وخالصُه، ويقال: سرّ الوادي، وسرّ الأرض: أكرم موضع فيهما.
والسرّ: ما يسرّه المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها.
قال الشاعر:
لا يكتمُ السرَّ إلاّ من لهُ شرفٌ ..|.. والسرُّ عند كرامِ الناسِ مكتومُ
السر عندي في بيتٍ له غلقٌ ..|.. ضلّت مفاتيحه والبابُ مردومُ
(وإن الصدور خزائن الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره).
يحكى أنه كان لملك من الملوك قرنان على رأسه، وكان للملك حلاقٌ أمين لم يخبر أحداً بذاك السر الذي يحتفظ به الملك في رأسه.
وذات يوم، مات الحلاق، حار الملك وقلق كثيراً، فكيف له أن يعين حلاقاً جديداً له ويجعله حافظاً لسر قرينه؟!
وبالرغم من قلقه وحسره، أرسل في طلب حلاق جديد..
وحين حضر الحلاق سأله الملك:
هل تعرف يا بني لماذا طلبت منك الحضور؟
فأجاب ا لحلاق: بكل تأكيد يا جلالة الملك. لقد سمعت جلالتك بأنني أحلق بشكل جيد.
قال الملك: هذا هو السبب الأول.
ثم رفع الملك تاجه مظهراً قرنيه وقال:
وهذا هو السبب الأهم. سأجعلك حلاقي الخاص ولكن ينبغي عليك أن لا تخبر أحداً بذلك، حتى زوجتك، وإلا سوف أعاقبك وعائلتك أشد عقاب!
ولم يكن الحلاق من ذاك النوع الذي بمقدوره حفظ الأسرار، لكن هذه الوظيفة أغرته بأن يقسم للملك أنه سوف يكون عند حسن ظنه، ولن يخبر أحداً قط.
ولأن الحمل كان ثقيلاً على صدر الحلاق، فقد بدأ يتعذب، ويقلق، ويمرض.. وفي الأيام القليلة التي تلت، ازداد مرضه أكثر وأكثر.. ولأنه من المستحيل أن يخبر أحداً بسر قرني جلالة الملك فقد كبر بطنه ومعدته، وبدأت أحشاؤه تتمدد وتتضخم.. وحين أخذوه إلى المشفى وعاينه الأطباء لم يجدوا حلاً أو دواء لورمه ذلك، حتى حضر أحد الأطباء الحكماء وطلب من الحلاق ـ على انفراد ـ إخباره الحقيقة، وما هو الشيء الذي يضايقه. وعندما حاول الحلاق إخباره عن ذاك السر تذكر التهديد والوعيد الذي وعده به الملك، فقال الحلاق: لا.. أنا لا استطيع أن أخبرك بذاك السر الذي يعذبني. فنصحه الطبيب الحكيم بأن يذهب إلى الغابة ويبوح بسره لأحد الأشجار هناك. عمل الحلاق بالنصيحة كعلاج أخير لحالته الخطيرة، وطلب من الذين أحضروه إلى الغابة أن يتركوه وحيداً لساعات.. وحين تأكد الحلاق من وحدته، وبأن لا أحد يراقبه اقترب من أحد الأشجار.. ضمها وهو يقول: إن للملك قرنان.. يا أختي الشجرة رجاء لا تخبري أحداً آخر.
وبمجرد أن قال الحلاق ذلك شعر براحة كبيرة، وبدأ الورم يتلاشى ويزول من جسده. عاد بعد ساعات قليلة إلى المنزل بعد أن حملت تلك الشجرة سر الملك. وحسب قانون الطبيعة، فإن الصوت لا يموت أبداً. فقد دخل صوت الحلاق جسد الشجرة وتغلغل في لحائها وجذورها. وفي أحد الأيام جاء قاطعوا الأخشاب إلى الغابة وقطعوا الشجرة، وبما أن خشب تلك الشجرة كان من أجود الأنواع، فقد بيعت لصانعي الأدوات والآلات الموسيقية. وحين ولد للملك ولد جديد، فرحت المملكة، ودعى الملك كل الموسيقيين والراقصين في المدينة من أجل الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة. وقد صادف بأن آلات الموسيقيين الذين جاؤوا إلى الحفلة الملكية من خشب الشجرة ذاتها التي باح الحلاق لها بسره. وقبل بداية الحفلة، راح الموسيقيون يضبطون آلاتهم. عزف عازف الأرغن أول مقطوعة، فخرج صوت من الأرغن يقول: للملك قرنان! فدهش الحضور، وبدأ البعض يتساءل: من الذي يجرؤ أن يقول ذلك؟! نحن نخافه في السر، فكيف في العلن؟!
وعندما بدأ الطبال يعزف وينقر على طبلته جاء صوت يقول يا أختي الشجرة، رجاء لا تخبري أحداً آخر.
رجاء لا تخبري أحداً آخر..
بدأ الجميع بالضحك.. عندها وجد الملك أنه من المناسب أن يخلع تاجه.. ويظهر قرنيه للجميع. ليس كل من أعطيناه سرنا قد يكون أهلاً لحفظه ودفنه في بئر عميقة، حتى أولئك الذين نعيش معهم وننام إلى جانبهم، قد يبوحون بأسرارنا في أول لقاء مع مَن يحبون، فالسر كالعين أو القلب، لا يمكن إعارته في كل وقت، وعندما نقرر ذلك علينا أن نتأكد من شيء واحد وهو:
(إن الأسرار تفقد سحرها الخاص حين نتقاسمها مع الآخرين).