تعلّم الإبداع حاجة أم ضرورة؟!
سؤال يطرحه العديد من الاختصاصيين والعاملين التقليديين في حقل التّربية: هل هناك من حاجة لتعلّم الإبداع؟!! ولماذا حازت التّربية الإبداعيّة على حيز مهم في بناء شخصية الطّفل واليافع والشّاب في عصرنا الحالي؟!!
عندما نتحدث عن تعلّم الإبداع، هذا لا يعني أبداً بأننا ننفي دور العوامل الوراثية، وبنفس الوقت لا نؤكّد على أنّه نتاج تعلّمي بحت، بل هو خلق بيئة تفسح المجال أمام الطّفل واليافع والشّاب على التّفكير بأفضل الطّرق وأحدثها للعمل على نقل موهبته من حالة الكمون إلى حالة الفعل.
إذاً ما هي الحاجات الأساسية الّتي تدفع القائمين على العملية التّعليمية إلى الاهتمام بتعلّم الإبداع؟!!
1. إنّ المشكلات الّتي تثيرها الحضارة المعاصرة هي كثيرة ومتنوعة ومعقدة، لذلك هي بحاجة إلى عقول غير عادية كي تتمكن من إيجاد الحلول المناسبة لها، ومن أهم هذه المشكلات: مشاكل التّلوث البيئي، التّنافس في مجال الطّاقة والبحث عن الطّاقة البديلة، الحروب الإقليمية والمشكلات العرقية والمذهبية، ما تثيره أسلحة الدّمار الشّامل من خوف ورعب لدى النّاس، الفروق الكبيرة بين مجتمع الأغنياء ومجتمع الفقراء، الخ…
2. ما تثيره وسائط الاتصال الحديثة من مشكلات تتمثل بتلك العلاقات المتشابكة في عالم أضحت جميع أطرافه متقابلة، فشبكة العلاقات الاجتماعيّة اليوم مترابطة مع بعضها البعض بحيث إذا وقع أيّ حادث في أيّة بقعة صغيرة من العالم يترك صداه في سائر بقاع الأرض.
لذلك باتت استجابة التّربية وطرائق التّعلّم وأساليبه لمواجهة تحديات الحاضر، والتّوجه نحو المستقبل سمة أساسية من سمات التحديات الكبرى الّتي تواجه الإنسان المعاصر، فليس المهم إدراك أنّ التغيير سمة من سمات العصر فحسب، وإنما المهم هو القدرة على التّنبؤ بالتغيير وإعداد العدة للتكيف معه مستقبلاً، فالتّحدي الكبير الّذي تواجهه التّربية اليوم هو قدرتها على الاستجابة لذلك، وأن تكون مخرجاتها عند المتعلمين صورة قوية إيجابية عن المستقبل، فتخيّل المستقبل يحدد إلى درجة كبيرة الأمور الّتي ستدفع المتعلّم ليتعرف على المزيد لتعلّمها وإنجازها. لأنّه من الضّروري الإيمان بأنّ المستقبل بحاجة إلى عقول مبدعة، ومن هنا بات تعلّم الإبداع حاجة ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها.
فالتّربية المطلوبة في ظل المتغيرات الّتي طرأت على مجتمعاتنا هي التّربية القادرة على تنمية القدرات الإبداعية الّتي يمكن بواسطتها التّفكير بطرق مختلفة عمّا كان مألوفاً من قبل، واستنباط الحلول والبدائل بشكلٍّ مستمر بطريقة تُيسر للإنسان سبل التّعامل مع المستقبل.
يقول كارل روجرز في كتابه (نحو نظرية في الإبداع):
(في الوقت الّذي تتقدم فيه المعرفة، بنّاءة كانت أم مخربة، في ثبات وقفزات سريعة إلى عصر ذري هائل، يبدو أن التّكيف الإبداعي هو الاحتمال الوحيد الّذي يمكّن الإنسان من أن يصبح متمشياً مع التّغير المناسب متعدد الجوانب، في الوقت الّذي تتقدم فيه الاكتشافات العلمية والاختراعات على أساس متوالية هندسية، يصبح الأفراد السّلبيون الّذين يخضعون لثقافاتهم عاجزين عن التّعامل مع القضايا والمشاكل المتزايدة. وما لم يستطع الأفراد أن يتخيّلوا ويبنوا ويرجعوا بابتكار أساليب تعاملهم مع المتغيرات المعقدة، فإنّ النّور سينطفئ، وما لم يستطع الإنسان أن يأتي بأساليب جديدة وأصلية للتكيف مع بيئته بسرعة تماثل سرعة العلم في تغيير هذه البيئة فإن ثقافتنا ستضمحل ويكون الثّمن الّذي ندفعه لافتقارنا إلى الابتكار، ليس فقط سوء تكيف الفرد ومؤثرات الجماعة وإنما الإبادة).
المبادئ الأساسية لتعلّم الإبداع وطرائقه
حاجتنا اليوم هي أن نعلّم المتعلّم كيفية التّعلّم والبحث والاستقلال في تفكيره، وأهمية التّعاون مع الآخرين، وقد أجاب بنيامين بلوم في مقابلة أُجريت له حول الإبداع قائلاً: كلّ النّاس لديهم قدرات كامنة لعمل الأشياء، لكن المشكلة تكمن في إيجاد الطّريقة المناسبة الّتي يمكن بوساطتها رفع الرّكام الّذي يُغلّف تلك القدرات، والّتي تُمكنّهم من التّفوق في المجالات الّتي يهتمون بها أكثر من غيرها.
هذا يعني بأنّ كلّ متعلّم لديه قدرات عقلية، إن تيسر لها المناخ الملائم تفجرت عطاءً وابتكاراً، ولكن المشكلة تكمن في إيجاد التّعلّم المناسب والطّريقة الفعّالة الّتي تجعل المتعلّم قادراً على إعطاء أفضل ما لديه، وهذا يعني تغير النّظرة إلى المتعلّم والمعلّم معاً. وللدور المرتبط بهما في سير العملية التّعليمية، وكلّما كانت النّظم والوسائل والطّرائق قادرة على تنمية القدرة الإبداعية يزداد المجتمع تقدماً وتطوراً ويتسارع نموّه، وبالمقابل فإنّ الاعتماد على الوسائل التّقليدية والاستكانة للطرائق التّقليدية والمألوفة لن يؤدي إلا إلى المزيد من التّخلف والجمود في فترة لا انتظار فيها للاتكاليين ولا رحمة بالمتلكئين.
1. مبادئ أساسية في تعلّم الإبداع: لقد تعددت اليوم الطّرائق التّدريسية وتنوعت وكثرت تصنيفاتها، ونادراً ما نجد كتاباً في أصول التّدريس لم يتطرق بشكلٍّ من الأشكال إلى التّعلّم الفعّال، ولكننا مع الأسف لم نغير من طرائقنا وأساليبنا إلاّ في التّسميات، فمثلاً: لقد تحوّلت آلية حلّ المشكلات مع الوقت إلى مجموعة من التّمارين يتقنها التّلميذ لأغراض الامتحان ليس أكثر، وعندما يحاول تطبيقها تطبيقاً عملياً، نجده يلجأ إلى مشكلات محددة وتكون لها حلول مسبقة فما عليه إلاّ أن يعطي الإجابة أو الحلّ الصّحيح.
بينما يقتضي الإبداع السّماح للتلميذ بالانطلاق والتّحليق في أجواء الفكر وأجواء المعرفة وعلى هذا الأساس يكون المتعلّم المبدع هو ذلك النّاقد الّذي يطرح الأسئلة، المستفسر المناقش. وبناء على ما سبق رسم (تورانس) ملامح أساليب تعلم الإبداع في خمسة مبادئ يرى أنّه من الضّروري أن يتقيّد بها المعلّم وهي:
* احترام أسئلة التّلاميذ.
* احترام خيال التّلاميذ.
* تقدير أفكار التّلاميذ والتّأكيد على أهميتها.
* السّماح للمتعلمين بأداء بعض الاستجابات دون إشعارهم بتهديد التّقويم أو التّخويف بشبح الامتحان.
* ربط التّقويم ربطاً محكماً بالأسباب والنّتائج، وهنا يجب التّأكيد بأنّ على المعلّم أن يتحلّى بقدرٍ كبيرٍ من المرونة بحيث لا يلزم المتعلمين أو يقيدهم بإجابات محددة ولا يعوقه عن ذلك الالتزام بالمناهج المقررة والمحتوى الّذي يحدده الكتاب المدرسيّ.
2. الإيمان بأنّ كلّ فرد قادر على تنمية بعض المهارات لديه وتحويلها إلى طاقة إبداعية، وتكون مهمة المعلّم هنا الإمساك بيد المتعلّم لمساعدته على اكتشاف القدرة الكامنة بداخله ودعوته لرؤية الأشياء بطريقته الخاصّة وينحصر دور المعلّم فقط في تنمية وتحسين ظروف التّعلّم.
إذاً ليس المقصود من التّعلّم هنا، تزويد المتعلّم بمادّة تعليمية، لأنّ الهدف من التّعليم ليس إنتاج مكتبات حيّة صغيرة، ولكن تعلّم المتعلّم كيف يفكر ويسهم في النّموّ المعرفي فالمعرفة وفق هذه المرحلة (فعالية وليست نتيجة) كما يقول برونر.
3. يتجه التّعلّم اليوم إلى مساعدة المتعلّم على مواجهة المشكلات وإيجاد الحلول المناسبة لها وذلك للتمكن من مواجهة المستقبل والمشاركة في صنعه، ولا يركز هذا التّعلّم على مجال واحد من مجالات الأهداف التّربوية، بل يُعنى بالمجالات كلّها، فبالنّسبة للمجال المعرفي يكون الاهتمام بتنمية فكر يتصف بالطلاقة والمرونة ذي توجه مستقبلي، ويركز محتوى التّعلّم على الوظيفة التّوجيهية الّتي تُمكّن المتعلّم من التّنبؤ بالعالم الّذي سوف يعيش فيه، ولا يمكن تحقيق ذلك إذا استمرينا في التّركيز على المستويات الدّنيا من هذه الأهداف كالتّذكر والفهم والاستيعاب، وإنما يجب أن نصب اهتمامنا على المستويات الأعلى كالتطبيق وحلّ المشكلات والتّحليل والتّركيب والتّقويم.
والخبرات الإبداعية الّتي يتزود بها المتعلّم تتكون من خلال التّدريبات والتمارين المتواصلة على التّفكير المستقل والتّمثل الذّاتي للمعارف واستخدامها في تحقيق أهداف متجددة، ولا يكون ذلك الاهتمام منصباً على المجال المعرفي باعتباره هدفاً بحدّ ذاته، وإنما من خلال المجالات الأخرى أيضاً المهارية والوجدانية.
4. الاهتمام بالطّرق والأساليب الّتي تقوم على التّعلّم الذّاتي والأنشطة الميدانية، من خلال دمج المدرسة بالبيئة وإتاحة المثيرات الثّقافية والاجتماعيّة وإثراء المدرسة بها، والسّماح للمتعلّم بحرية استكشاف البيئة والحرية في إبداء رأيه، وعدم التّأكيد على المسايرة. وبغير ذلك يكون التّعليم عاجزاً عن مساعدة المتعلّم على الإبداع، ويظل معتمداً على الآخرين، وقد أشار أحد الكتّاب إلى نتائج ذلك النّوع من التّعليم الّذي يُجافي الإبداع في تلك السّياسة التّعليمية الّتي اتبعتها حكومة الاحتلال في مصر أيّام (كرومر) وبمساعدة مستشاره التّربوي (دنلوب) حيث قال:
كي يتحقق الهدف الّذي يريده المستعمر لا بدّ أن تتجه سياسة التّعليم كلّها نحو الحفظ دون المناقشة، والتّرتيل دون النّقد ومحاكاة المراجع وتقليد الأساتذة دون تشريحها وتكوين رأي مستقل فيها.
5. إعادة النّظر بوسائل التّقويم والامتحانات، وألاّ ينظر إلى نتائج الامتحانات على أنّها الحكم النّهائي على قدرات المتعلمين، كما يجب تنويع وسائل التّقويم وتغيير النّظرة إلى الامتحانات بحيث تغدو مفتاح العملية التّعليمية التّعلميّة، وأن تكون وسيلة من وسائلها لا أكثر، بحيث تكون وسيلة قياس أو وضع تقدير معين فلا تقرر فشل التّعليم أو نجاحه بقدر ما تكون عنصراً من عناصر التّعليم المتقن، ووسيلة للكشف عن وسائل النّقص في الطّرائق والوسائل والمحتوى.
6. تنمية مهارات العمل الجماعي لما لها من أهمية في توسيع دوافع الإبداع، لأنّ تبادل الأفكار والمناقشة بين أعضاء الجماعة يعطيان مردوداً أفضل وأشمل، ويؤكّد (ماكرورث) بأنّ الباحثين بحاجة من وقت لآخر لأن يكونوا مع بعضهم البعض، فاللقاءات المتتابعة مع الآخرين تولّد الأفكار، كما أنّ رؤية المشكلات وحلولها تتمان بشكلٍّ أفضل عندما يراها أكثر من شخص، فالتّفاعل يؤدي إلى نتائج، ويكشف مظاهر جديدة، ويخلق مشكلات جديدة بحاجة إلى بحث جديد.
إذاً لقد بات من الضّروري اليوم أن ندعم مدارسنا لما لها من تأثير مهم في زرع روح الإبداع لدى النّاشئة، ولتحقيق ذلك لا بدّ من خلق أجواء محببة بالنّسبة للتلاميذ ومعاملتهم بروح التّسامح والتّقبّل، وعدم محاسبتهم على الأخطاء محاسبة أو عنيفة وإنما فتح باب الحوار معهم ليدركوا خطأهم ويسلكوا طريقاً آخر.
وقد أكّد (موريس) عالم النّفس الأمريكي من أنّ الإبداع هو ليس أكثر من استمرار فعالية صفات الطّفولة في حياة الرّاشدين، فإذا تمكنّا من حفظ وصيانة العمليات الّتي ترتبط بهذه الصّفات مع تقدم العمر، وهي مشاعر الاستغراب والدّهشة وحبّ الاستطلاع والفضول والميل إلى التّجربة والتّنقيب والبحث والفطنة وسرعة البديهة، وإذا تمكنّا من التّوصل إلى سيطرتها على سلوك الرّاشد حينئذ يمكنّا أن ننتصر في معركة هامة هي معركة من أجل الإبداع.
المصادر والمراجع:
* تعلّم الطّفل – إسماعيل ملحم.
* مجلة عالم الفكر – ديناميات العبقرية .
* صالحة سنقر – المناهج التّربوية ص 38.
* دراسات في الثّقافة الوطنية – دار الطّليعة بيروت /1967م.
* سلسلة عالم المعرفة – الإبداع في العلم والفن.
* مجلة العلوم الاجتماعيّة – عوامل الابتكار في الثّقافة العربية المعاصرة (13/ 1).