موظفة بمرتبة بياع مازوت

أعرف أن أغلب الناس يحبون التمتع بالشهرة والمكانة العظيمة، ولكن قلائل يحظون بها، وأنا أستطيع أن أؤكد لكم أني قد نلت هذه الحظوة مؤخراً، وصرت شخصية يشار إليها بالبنان منذ أن أصبحت (بياعة مازوت) على سن ورمح! أرجو ألا تأخذوا كلامي بحرفيته، فأنا أندرج تحت فصيلة (بياعين المازوت) باعتباري موظفة نسيها الزمن في شركة محروقات، فلحسن الحظ أن الزمن الرديء لا ينسى أحداً، لذلك صار بإمكاني الشعور بأهميتي كلما طلب أحدهم التوسط من أجل (بيدون مازوت) ولو كان أحدكم مكاني لأصابه الغرور، خصوصاً أن علاقاتي صارت على مستوى رفيع جداً، وإذا لم تصدقوا سأضرب لكم أمثلة:

أمس كنت جالسة وراء مكتبي أؤدي عملي الممل، وإذا برجل (مئوي) يدخل مستنداً على ذراعي رجلين أصغر منه – يعني في السبعينيات تقريباً – اتجه صوبي، وقدم نفسه على أنه المجاهد فلان الفلاني، فقاطعته: (دخيلك ياعم لا ينقصنا مجاهدين)! فسعل سعلة قوية كادت تودي بحياته، وراح ينبش جيوبه، انتظرت أن يخرج دفتر العائلة لأسجل له دوراً في المازوت، لكنه أخرج صوراً بالأبيض والأسود ووضعها أمام عيني، رأيت فيها رجالاً يلبسون ثياباً تقليدية، ويحملون بواريد قديمة على أكتافهم، وراح يشرح لي كيف جاهد مع رفاقه ضد المستعمر الفرنسي، بل أطلعني على رسائل تلقاها من ملوك ورؤساء عرب وأجانب. الحقيقة أني وقفت لأحيي صموده ونضاله المتواصل حتى هذا العمر، فأكد لي أن الجهاد أنواع، والجهاد في سبيل المحروقات لا يقل ثوابه عن الجهاد في سبيل الاستقلال!

أما أول أمس، فقد فوجئت بأحد المواطنين الكرام الواقفين في الدور يسألني بصوت عال عن مواليدي، نظرت إليه نظرة أو شزراء… فيها كثير من الشر، وصحت به: كيف تتحدث بهذه المواضيع الحساسة أمام الجمهور العريض الطويل؟ فأجابني بأنه يريد أن يعرف برجي ليحدثني عن طالعي. (يا إلهي! عالم فلك تحت قبضة يدي…) همست له بمواليدي، فراح فوراً يلقي علي بشائره: ستكون سنة عظيمة أمامك، على شرط أن تجيدي استغلالها… ستمسكين المجد من طرفيه (على الأغلب يقصد المازوت والغاز معاً)… ستمطر عليك السماء ذهباً… وما إن سمعت زميلاتي بكلمة ذهب حتى قفزن من وراء مكاتبهن، وشققن الطريق وسط الحشود ليسألنه: هل سينجح ابني؟ هل سيتزوج زوجي عليّ؟ هل سنشهد زيادة في الرواتب؟ وقد ساد الهرج والمرج في الغرفة مما استدعى تدخل قوات مكافحة الشغب ممثلة برئيس الدائرة الذي أخذ المنجّم على جنب، وحذره من إثارة الفتن، ثم سمعته يهمس له بسؤال عن إمكانية تعيينه في منصب أعلى خلال السنة الجديدة!

أما الأسبوع الماضي فقد كادت تنشب مشاجرة (فولكلورية) أمام مكتبي، بسبب رجل حاول القفز فوق الدور، مستعيناً بشاربيه العظيمين،وصوته العريض، بدا شديد الثقة بنفسه، وما أثار دهشتي أن بعض المراجعين والموظفين طلبوا التقاط صور معه،لكنه رفض خوفاً من فقدان دوره، أما حين طلبت هويته لتسجيل البيانات، فقد صاح صيحة منكرة وكاد يسحب خنجره، فتعرفت على شخصيته، إلا أنني تمسكت بموقفي لكي لا يظن أني إحدى (نسوان الحارة)، بعد ذلك لجأ إلى أسلوب آخر، إذ أخبرني بأني أتمتع بوجه فني، ويمكن أن يساعدني في إيجاد دور في الجزء الخامس عشر من مسلسله…

من الصعوبة أن أخبركم بقصة كل شخصية من الشخصيات التي جاءت تلتمس مساعدتي، يكفي أن أقول إن من بينها شاعراً كبيراً ألقى قصيدة عصماء في مديحي، إضافة إلى خبير تجميل شهير باح لي بأسرار زبوناته من نجمات المجتمع، ودون مبالغة أصارحكم بأن (الإبراهيمي) نفسه أرسل إلي منذ سنة مبعوثاً خاصاً من قبله لأدعمه بتنكة مازوت، ولكني طنشت وقلت له: ليس عندي مازوت لا أخضر ولا أحمر! فغادر المنطقة متخلياً عن مهمته! وإذا استمر الوضع كذلك حتى الانتخابات التشريعية القادمة، فمن المؤكد أني سأرشح نفسي اعتماداً على قاعدتي المازوتية، وبذلك لن أختلف عن المرشحين الآخرين، إذ إني مثلهم تماماً، قادرة على بذل الوعود التي لن تتحقق، لأني – باختصار وبكل سرية – أقر بأني لا أحل ولا أربط وسط جماعتي (بياعين المازوت).

العدد 1140 - 22/01/2025