لا شكل واحداً للعيش (2من2)
إن أي منع لأسلوب عيش أو تفكير مختلف، هو إفقار للحياة ومصادرة لممكناتها التعبيرية والوجودية. فالحياة تثبت أنها زاخرة بالأشكال نابضة بالحراك، يصعب تقييدها عند لحظة أو شكل واحد. وإذا كانت السياسة قد أوجدت أنظمة أغلبها تعبير استبدادي طغياني عرفها التاريخ في أنظمة حكم وصفت بالإمبراطورية أو الملكية، وهذه عرفت الشكل المطلق لا الديمقراطي قديماً، فإن أنظمة أو أشكالاً أخرى عبرت عن وجودها في مجتمعات أخرى، مثل المجتمع اليوناني الذي ظهرت فيه ديمقراطية أولية، حيث يفترض عدم محاسبته على النواقص في تلك الحقب المتقدمة.
وإذا كانت الأنظمة الاستبدادية تعتبر كل إرادة عيش مختلفة هي تمرد عليها يجب قمعه، وذلك نابع من طبيعتها التي لا تحتمل الاختلاف أو تعبير الآخر عن وجوده، فإنها قد أورثت الحياة الحديثة التي وصفت بالعصرية أو الحداثة هذه الميزة، أي قمع المختلف أو المخالف، تحت راية الشرعية التي تمتلكها من ضرورة عدم وجود المنافسين، ومن القدرة القمعية وطاقة البطش التي لا تقوم الدول من دونها، أو لاتدوم من دونها، ودوامها مرتبط بمنع التعبيرات المختلفة التي تشم رائحتها وتسعى لمواجهتها بسرعة وقسوة.
حصل نفي الاختلاف حتى في المجتمعات المنقسمة طبقياً، فقد جرى تقديم الليبرالية باعتبارها المناخ الذي يفسح المجال للحريات بلا ضغوط عليها، ويتيح المجال لكل ذي خصيصة أو توجه أن يعبر عن خصوصيته أياً كانت بشكل سلمي، مما لا يترك مجالاً للإقصاء لأي مكون أو فريق أو جهة. لكن الأمر المؤكد أن الليبرالية كفكرة وفلسفة نشأت في مناخ صعود البرجوازية وسطوتها، وقد انتجت لتكون الغطاء لهيمنة هذه البرجوازية، باعتبارها صاحبة القدرة على التعبير الفاعل عن الوجود، في حين أن غيرها من الطبقات أو المكونات المجتمعية لم يسمح لها ولم تكن قادرة على التعبير عن ذاتها عملياً، أي بفاعلية. وقد تسامحت الليبرالية مع شن الحروب (الساخنة والباردة) ضد من يخالف خطّها، فهي مع أنها تشاركت مع الاشتراكية الماركسية في مواجهة النازية وبها انتصرت، أقامت لها شراك المكارثية وحاربتها بعنف، ما يعني أن الليبرالية ليست ليبرالية بل إيديولوجيا طبقة.
وهكذا نرى أن الليبرالية يمكن أن تتحول إلى قامع للفكر والممارسة عندما تخالف نهجها، أي لا تسمح بتعدد أساليب العيش حين تخالف مصالح الطبقة المهيمنة. وهنا نتساءل عن الفرق بينها وبين الاستبداد في هذه الحالة؟!
هنا قد يقول القائل أو يظن الظانّ أن الديمقراطية التي هي ضامنة الليبرالية، أو متبادلة الضمان معها، أنها تفسح المجال لأساليب العيش المختلفة، لكن الديمقراطية أيضاً تقع في فخ منع ذلك حين تكون الفئات المشكلة للأغلبية ذات صفة دائمة، أي إن أية تغيرات تضمنها الديمقراطية لن تلغي هيمنة قوى ذات أكثرية على قوى أقلية، ما يعني أن هذه الأقليات التي تضمن لها الديمقراطية وجودها، لا تكون في كامل الحرية والفاعلية السياسية في التعبير عن الأسلوب الذي توده لعيشها، لأن ذلك يبقى تحت رحمة القوة المهيمنة ديمقراطياً، أي صاحبة الأغلبية التمثيلية التي ليست في صالحها. فأي عيش مختلف تضمنه الديمقراطية، مالم يكن جزئياً وفي الأمور التي تسمح بها الأغلبية؟! ومن الجدير بالذكر أن الأغلبيات قد تكون سياسية، كما قد تكون أغلبيات عصبية، عرقية أو دينية.
وإذا كانت الليبرالية كمناخ، والديمقراطية وسيلتها، غير ضامنتين لحرية العيش المختلف، فإن ذلك بالتأكيد أقل ضماناً في أنظمة أخرى، خاصة الموصوفة بالاستبداد والشمولية، وتلك التي كان المأمول منها إنقاذ المجتمعات من هيمنة قوى الاستغلال، وأعلنت ذلك، لكنها خيبت الآمال ولم تكن أرحم بالضعفاء. لايمكنني القول للناس إن أمامكم طريقاً واحداً تسلكونه، ثم أكون ضامناً لأساليب متنوعة في العيش، يمكن أن تكون في مواقع الاختيار الحر والفعلي، أي الذي لا تعرقله طبقات وإرادات وهيمنات أخرى، لا في الأيديولوجيا ولا السياسة.
لقد كانت الأديان بمثابة الأيديولوجيات، أو تحولت فعلاً إلى أيديولوجيات وأساليب عيش مغلقة لا تتسامح باختراقها. وهذا ما شاهدناه مع أيديولوجيات وصفت بالاشتراكية، التي حولت الممكن الفسيح إلى حتمية ضيقة، فسدت منافذ العيش المختلف عدا ذلك الذي تحرس مداخله ومخارجه، وتحصي فيه الأنفاس وتعدّها وتقيس حرارتها. وقد كان مأمولاً حسب النصوص، أن تكون هذه الأنظمة ضامنة لمجال أوسع، لكن النص عندما تحول إلى منتج بدا المنتج مسخاً.
لقد بدا التضييق في أنظمة انتسبت إلى الاشتراكية، أي المجتمعات اللاطبقية، حاداً، بحيث لم يحصر الحياة بشكل واحد فقط، بل كان هذا الشكل ممسوكاً من خناقه، مانعاً إلى الوصول فيه إلى مداه، بحيث تحصى على الناس أنفاسهم ويقسرون على الشكليات، مع ضمان عدم إخراج المضامين المضمرة في النفوس، تحت سطوة الأمن وسلامة المجتمع الاشتراكي أو ضمانه، وعدم التفريط بمقدرات المجتمع وفئاته الضعيفة، فإذا بنا نصنع مجتمعات معاقة كسيحة، تحتاج إلى الإنعاش في العناية المشددة.
لم يكن المعنيون قادرين على تمثّل صوت الآخر، الصوت المختلف والمختنق الذي يود التعبير عن وجوده، فآلاتهم (مدوزنة) على نغمة واحدة لا يرقص عليها سوى الأتباع المعجبون. وإذا كان الاقتصاد في صلب عملية التحول والذي يجري الإمساك به بقوة، فإن المجالات الأخرى ليست أكثر حرية. ففي الأنظمة الشمولية، ليست الفنون أكثر قدرة على التعبير الحر، وليست العلوم الإنسانية والآداب أكثر حرية في ضمان التعبير المختلف عن منظومة يزداد يباسها ويصفق لها.
الملاحقة والمنع في هذه المجتمعات لا تطولان من أراد أن ينهج أسلوب عيش مختلفاً، بل أولئك الذين لا يعرفون كيف يرقصون رقصة الحاكم، ويخرجون النغمات ذاتها، ما يعني أننا في مجتمع المواصفات والمقاييس الموحدة التي لا يرى فيها أصحاب الشأن سوى ضمان عدم التمزق الاجتماعي، دون أن ينتبهوا إلى أنهم يخنقون ما يضمن التعبير عن رحابة الحياة. لقد شبه آخرون ذلك بالموسيقا التي يعزفها عازف واحد على آلة واحدة، بدل الأوركسترا التي تتعدد فيها الآلات والعازفون.
لايصبح هناك معنى للسؤال (كيف يمكن أن أعيش؟)، إذا كانت الإجابة لا تحيل سوى إلى جواب واحد، فالكيفية تعني تعدد الممكنات المتاحة للاختيار، وإلا أصبح السؤال عبثياً، يحمل في الإجابة عنه ضمانة واحدة لأسلوب واحد لا تتم مغادرته، يفقر الحياة وينفي عنها الممكنات التي تتيحها، لأنه لا ضامن لهذه الممكنات ولا حماية لها. الإجابة الواحدة للسؤال السابق تشير إلى بؤس من يعتقدها وفقر مداركه وضيق أفقه، في حين أن الماضي قد أشار في غير مكان إلى ممكنات عيش متعددة ومتنوعة، وما لم يكن المستقبل واعداً بذلك لا يستحق الترحيب.
إذا كانت التعددية متاحة وممكنة في الدين أو الليبرالية أو غيرها، يبقى السؤال:
من يضمن الوفاء بهذه التعهدات النظرية التي لا تبخل بالوعود بضمان الحريات وحقوق الإنسان، واعتماد التعدد في أساليب العيش الممكنة؟
ليست ضمانات التنوع أن يترك الحبل على غاربه، فتنمو الأشجار الكبيرة في الغابة، ولكي تنمو تلك الصغيرة يجب إفساح المجال لها ومنع اختناقها وتقزّمها بفعل طغيان الكبيرة على المجال المشترك.
اللون الواحد لا يصنع لوحة، ولكي تنتج لوحة جميلة، يجب أن تتناغم الألوان وتتعدد بتناسق داخل إطار اللوحة لتبدو جماليتها. وهكذا المجتمع بتعدد أساليب العيش لأبنائه، وضمان حريتهم وعدم طغيان بعضهم على بعض، مهما ادّعى أصحاب الرؤية الواحدة، بأنها تنتج مجتمعاً قليل الاختلالات، تحت رعاية القانون والثقافة، وضمان النمو الطبيعي السليم. وعندما تكون الغاية هي الإنسان، يصبح من المهم إزالة العوائق من طريقه ووضع النظم الكفيلة بعدم التعدي عليه ورعايته بفاعلية، فالحياة مبشّرة بمقدار ما تتيح لها من رعاية الممكنات الواعدة، والبشر هم مهندسو أساليب عيشهم الضامنة لتحقيق رغباتهم، أياً كانت طبقاتهم أو توجهاتهم الفكرية والعقدية.