التطرف… أزمة أم مشكلة؟

 

مسألتان جديرتان بالتفكير مثلما هما جديرتان بالبحث عن حلول، وإذ نحن نقرأ أو نسمع هاتين المفردتين، فمن الضروري أن نعرف الفرق بينهما، وخاصة أننا منذ أربع سنوات صرنا نسمعهما ونقف على تحليلات إعلامية في القنوات المرئية والمسموعة، ونقرأ الكثير من الكتابات في الصحف والمجلات، ونجد أن هناك الكثير ممن يسمّون محللين، ومعهم أكثر المتلقين، لا يعرفون الفرق بين الاصطلاحين، ويستخدمونهما بالتساوق والتطابق، وتلك مصيبة بحق المصطلح، وبحق المطّلع سامعاً كان أم قارئاً. وهو الأمر الذي لفت نظرنا، فرأينا الإطلال عليهما للإضاءة عليهما. ومن حيث المبدأ فإن هناك بعض الاشتراك والتداخل في المعنى، إذ إن كليهما تدلان على مسألة تحتاج إلى حل.

نبدأ بالتطرف الذي يعني أن يتخذ إنسان ما موقفاً حاداً من مشكلات المجتمع، فالمتطرف موقفه متشدد، يتصف  بالقطيعة والانقلاب على المواقف الاجتماعية العامة في بيئته، ويرفضها تماماً، ويتصرف استناداً إلى معطيات فكرية موجهة لسلوكه ومخالفة لها. فهو يخرج على القواعد الفكرية والمعايير السلوكية المعتمدة والمتفق عليها ويتبنى ما يساهم في تدميرها، لبناء تلك التي اقتنع وآمن بها، بغاية فرضها على الآخرين.

والتطرف قد يكون سياسياً، وقد يكون دينياً، وهذا الأخير يراه صاحبه على أنه صالح لكل زمان ومكان، ويرى أنه يحتاج إلى القوة للتسيّد على الواقع. وهو في ذلك يتفق مع التطرف السياسي. وبكل الأحوال إن التطرف، عادة ما يأخذ اتجاهاً عقلياً يستند إلى حال نفسية تسمى (التعصب) الذي هو حكم عام مأزوم وجامد، ومعدوم المرونة، وإذ هو  كذلك، فإنه لا يقبل أيّ شكل من أشكال المناقشة والحوار، ويرفض الرأي الآخر رفضاً تاماً من حيث حكمه المسبق بخطئه، وبخروجه عن النص الديني الذي يعتقده المتطرف، من حيث هو، بحسب ما يفهمه، نص لا يعرف التأويل أو التفسير إلا من جهة واحدة وبمعنى وحيد حدده الداعي ولقنه إياه، وهو الذي علمه و(هداه)! إلى الطريق المستقيم الذي رسمه الله ولا طريق غيره. وهذا الطريق معروفة حدوده وبداياته ونهايته واسمه: أصول الدين ومعانيه وغاياته.

وهذا هو الذي تراه الحركات المتطرفة عموماً، والناشطة عملياً في سورية خصوصاً. فهي تنفذ التطرف بشكله المركب، فتطرفها ليس تطرفاً دينياً فحسب، إنما هو تطرف ديني مذهبي. وهنا لا يعود التطرف مشكلة طارئة أو مؤقتة، ذلك أن أي أزمة إنما قد تكون خارج ذات النص أو المنهج الذي يتعرض لها، وقد تكون أسبابها معروفة الحلول وتحتاج إلى زمن لإيجاد الحلول. وعادة ما لا يرى فيها طرف ما أي صلاحية لأنها لا تنفذ ما يحمله، أو ما تم تحميله له من اعتقاد. فالمجتمع السوري بالنسبة للمتطرفين، صار في أكثره مجتمعاً (جاهلياً) على طريقة المفكر الإخواني (سيد قطب). وهو كمجتمع جاهلي صار مليئاً بالشرور و… ويجب إصلاحه وإعادته إلى طريق الحق، والخلاص من أزمته مع الإيمان ومع الحق؟

وبهذه الصورة يظهر لنا أن المجتمع السوري يعيش، منذ سنوات أربع، في أزمة مع فكر مأزوم، ليس فقط هو في مشكلة مع بعض الداخل، أو بعض الخارج. ومن المؤكد أن حل الأزمة ممكن، لكنه لا بد أن يكون حلاً مركباً، تجتمع فيه أشكال القوة كلها: الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وإذا لم تكن الحلول كافة ممكنة لعدم توافرها معاً، فإن الأزمة ستحتاج إلى وقت طويل، نسبياً، حتى تصل إلى الحل المناسب للمجتمع، وتضمحل أشكال التطرف، ويزول التطرف مادياً ومعنوياً.

العدد 1195 - 23/04/2026