لماذا كان ماركس محقاً؟! (28)
كتب ماركس في (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية) وصفاً رائعاً لطبيعة المال السحرية والمتبدِّلة وقدرته، رغم ظاهره الوديع، على استحضار أشياء كثيرة قد يختلّ معها صواب الإنسان. المالُ هو نوع من الاختزال، يحشر عوالم كاملة في حفنةٍ من المعدن.
إذاً، حتى قطعُ النقود المعدنية ليست اقتصاداً فحسب. وفي الواقع، لا يظهر (الاقتصاد) في شكله الخام. وما تسمّيه الصحافة المالية (الاقتصاد) ليس سوى نوع من شبح، لم يره بعد أحد، وهو تجريدُ عمليةٍ اجتماعية معقّدة. يعود تضييق مفهوم الاقتصاد لحدٍّ كبير إلى نظرية الاقتصاد الأرثوذكسية. وعلى العكس، تستخدم الماركسية مفهوم الإنتاج الأعم والأشمل. ويعود سبب سريان نظرية ماركس التاريخية إلى أن البضائع المادية ليست بضائع مادية فحسب، بل إنها تمنح الإنسان الشعور بالرخاء وتفتح أمامه الباب واسعاً باتجاه أشياء كثيرة غالية على قلبه. ولهذا دخل البشر في صراعات مميتة من أجل الاستيلاء على أرض ومُلكية وثروة ورأسمال. ولا أحد يقدّر الاقتصاد لأنه اقتصاد، باستثناء أولئك الذين امتهنوه، وإنما لأنه يشمل أبعاداً أخرى كثيرة، ومن هنا تأتي أهميته في تاريخ البشرية.
غالباً ما تُتهم الماركسية بأنها الصورة المنعكسة لخصمها السياسي. وكما تُقلِّصُ الرأسمالية الإنسان إلى الإنسان الاقتصادي، فإن خصمها الكبير يفعل الشيء ذاته. الرأسمالية تجعل من الإنتاج معبودها، وماركس يفعل الشيء ذاته. إلا أن هذا تفسير خاطئ لمفهوم الإنتاج في الماركسية. يقول ماركس إن الجزء الأكبر من الإنتاج الحاصل ليس إنتاجاً حقيقياً. والرجال والنساء هم منتجون حقيقيّون عندما يفعلون ذلك بملء حريتهم ومن أجل أنفسهم. ولا يتحقق ذلك إلا في ظل الشيوعية، وحتى ذلك الحين، يمكننا أن نتذوّق مثل هذا الإبداع على شكل إنتاج خاص نسمّيه أعمالاً فنيّة. كتب ماركس إن جون ميلتون أنتج (الجنة المفقودة ) للسبب ذاته الذي يدفع دودة القزّ إلى إنتاج الحرير. لقد كان عملاً ينسجم مع طبيعته). يمنحنا الفن صورة عن العمل المنسجم مع هدفه. ومن هذه الزاوية نظر إلى مؤلّفاته على أنها (عمل فني متكامل) سطَّره بأقصى درجات العناية بالأسلوب والتعبير (خلافاً للعديد من تلاميذه من بعده). ولم يكن اهتمامه بالفن نظرياً، إذ ألّف أيضاً قصائد ورواية هزلية وأجزاء من دراما شعرية ومخطوط كتابٍ كبير لم ينشر عن الفن والدين. كما خطط لإصدار مجلة عن المسرح ودراسة عن علم الجمال. وكانت معارفه في مجال الأدب مدهشة.
نادراً ما جلب العمل السعادة للإنسان، لأنه كان دائماً بشكلٍ أو بآخر مجبراً عليه، على الأقل خوفاً من الجوع. كما لم يكن العمل في مجتمع الطبقات هدفاً بحدّ ذاته، وإنما وسيلة لزيادة سلطة الآخرين وأرباحهم.
تشمل الحياة الجيدة عند ماركس، ومعلِّمه أرسطو، نشاطاتٍ يمارسها الإنسان من أجل الممارسة في حدِّ ذاتها.
الأفضل أن نفعل شيئا بكامل رضانا. والحيوانُ الذي أصبح إنساناً يفعل ما يفعله بحثاً عن السعادة، وليس بسبب الواجب أو العادة أو الطاعة أو الضرورة المادية أو الفائدة الاجتماعية أو خوفاً من الربّ. لا يوجد، مثلاً، أيُّ مبرر لأن نرضى العيش في مجتمعٍ من أناس مثلنا. لكن عندما نفعل ذلك، نكون قد استفدنا من إحدى مهارات (جنسنا البشري). وهذا ما يعتبره ماركس إحدى طرق الإنتاج، كما هو الحال عندما نزرع البطاطا مثلاً. التضامنُ الإنساني هو الأساس الهام لأي تغيير سياسي. ولهذا التغيير أسبابه الذاتية أيضاً.
وفي ما يلي مقطع مثير من (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية) حول هذا الموضوع:
عندما يتّحد الحرفيّون الشيوعيون، تصبح عندهم النظريةُ والدعاية… إلخ غايةً. وفي الوقت ذاته يشعرون بحاجة جديدة، وهي الحاجة إلى المجتمع، وما كان وسيلة، أصبح غاية. الأكل والشرب والتدخين إلخ… لم يعد وسيلة الربط أو وسائل القربى. يكفيهم الاجتماع والاتحاد والتسامر الذي يحتاجه المجتمعون، إذ لم تعد الأخوّة بين الناس عندهم مجرّد كلام بل حقيقة، وشرفُ الإنسانية يشرق لنا من الوجوه التي قسّاها العمل.
الإنتاج عند ماركس يعني، إذاً، أن نجنّد مهاراتنا الأساسية لدى تغيير العالم. وهو يقول في (الخطوط العامة) أن الغنى الحقيقي يتمثّل في (إطلاق جميع قوانا الخلاقة… وهذا يعني تطوير جميع قوانا الإنسانية بشكل مطلق وعدم قياسها على مقياس محدّد مسبقاً، كغايةٍ بحدّ ذاتها). يكتب ماركس في (الرأسمال) أيضاً إن مملكة الحرية الحقيقية يمكنها أن تبدأ (بتطوير قوى الإنسان، الذي يُعتبر غاية في حدِّ ذاته، فيما وراء تاريخ الطبقات). وبذلك يكون معنى كلمة (الإنتاج) لدى ماركس أيّ نشاط يخدم تحقيق الإنسان لذاته: العزف على آلة موسيقية، التمتّع بأكل فاكهة، المجادلة حول أفلاطون، ممارسة رقصة شعبية، إلقاء كلمة، ممارسة نشاط سياسي، تنظيم حفلة عيد ميلاد. وليس في كل ذلك أي كلمة عن استخدام قوة العضلات أو التباهي بها.
وعندما يعتبر ماركس الإنتاج جوهر الإنسانية، فإنه لا يعني بذلك أن جوهر الإنسان يكمن في ممارسة أي عمل تافه. فالعمل، كما نعرفه، هو شكل غريب مما يسميه ماركس (الممارسة العملية Praxis). وهي كلمة يونانية قديمة تعني أيَّ نشاطٍ حرٍّ يجلب السعادة، ونغيّرُ بواسطته العالم. وفي اليونان القديم فُهم منها كلُّ نشاط يقوم به الإنسان الحرُّ خلافاً لنشاط العبد.
ومع ذلك، يمكّننا الاقتصاد من الانطلاق إلى ما هو أبعد من حدود الاقتصادي. وعن طريق إعادة توزيع الثروات الهائلة التي كدّسها لنا النظام الرأسمالي يمكن لأهميّة الاقتصاد أن تتراجع كثيراً. لن يختفي الاقتصاد، لكنه سيصبح أقل إلحاحاً. ولن نضطر إلى التفكير باستمرار بكيفية الحصول على المال من أجل التمتّع بالعديد من البضائع. سنتمتّع أيضاً بالمزيد من الحرّية وسيكون عملنا أقلَّ رتابة. لم يركّز ماركس فقط على الاقتصاد، إذ اعتبره الصورة المشوهة لإمكانات الإنسان الحقيقية. وأراد مجتمعاً لا يستهلك فيه الاقتصادُ الكثير من الوقت والجهد.
من المفهوم أن أجدادنا كانوا منشغلين جداً بالقضايا المادّية. عندما يُنتج الإنسان قيمة زائدة ضئيلة، أو معدومة، يهلكُ حتى من دون عمل شاقّ. وعلى العكس، فقد خلق النظام الرأسمالي لنا تلك القيمة الزائدة التي يمكن استخدامها بالفعل لزيادة وقت الفراغ بشكل كبير. ومن الغريب أن كل هذا الغنى يُخلق بطريقةٍ تلهث باستمرار وراء التراكم والتوسّع وإعادة الاستثمار بقصد تحقيق المزيد من العمل والأرباح. إضافة إلى أن النظام الرأسمالي يحقق القيمة الزائدة ويخلق الفقر والعوز أيضاً. فالنظام إذاً ذو إنتاج متناقض. وهكذا يعمل فيه بشر عصريّون يحيط بهم غنى لا يمكن تصوّره بالنسبة لمجتمع الصيد والجني ومجتمع العبيد في العصور القديمة والرقيق المملوكين في عصر الإقطاع، مدة طويلة وبشقّ الأنفس مثل أسلافهم.
اهتمّت مؤلّفات ماركس بطيب عيش الإنسان. ولا يعني ذلك العمل، بل راحة البال. كما اعتبر ماركس تحقيق الإنسان لذاته نوعاً من (الإنتاج) الذي لا يتحقق غصباً. وراحة البال ضرورية لأن البشر، رجالاً ونساء، بحاجة إلى وقت الفراغ من أجل الاهتمام بشؤونهم الخاصة. وبهذا المعنى، قد نفاجأ بعدم وجود تنابل أو كسالى بين أعضاء الأحزاب الماركسية. ويعود هذا إلى سبب وجيه مفاده أنه لا بدَّ أوّلاً من بذل جهودٍ كبيرة جداً من أجل تحقيق الهدف. لا بدَّ من العمل الشاقّ، من أجل الحصول على راحة البال.