ضفّتا نهر الحياة
يقول الكاتب العراقي حازم كمال الدين، في روايته (كاباريهت):
(أحاول أن أكتب سرداً فيه من الريبورتاج ومن الخيال ومن الواقع بمقدار ما فيه من الطب والكيمياء. سبب هذه المحاولات هو اندماج الواقع المعاصر مع الخيال).
***
تدعوه ب (الحالم الحزين)، كونه ينطوي على مساحة من الحلم والخيال، تزيد عن حاجة قبيلة، من أنصار (الواقع المحتوم). ويدعوها ب(الزاهدة السعيدة)، لأنها تمتلك من الرضا والتسليم، ما يكفي مؤونة جيشٍ، من أصحاب (الخيال المفتوح).
منذ تصادفا وتوالفا وحتى اللحظة، وهما يُملِّحانِ خبز عيشهما، ويحلِّيان مُرَّ حياتهما، مِنْ مِلحِ خيالهِ وسكَّر واقعيتها.
***
لا يتصوّر (الحالم)، أن يمرَّ يومٌ عليه – في غياب (الزاهدة) – من دون أن يُطرِّزَ ساعاته، بتخيّلِ أوضاعها:
نائمة تغطُّ في حلم من بطولته..
في المطبخ تحضُّر له المازاوات التي يفضِّل..
أم في الحمام ت..
أن تمضي الساعات -والزاهدة في طريقها إليه- من دون أن يتخيّلها، بهيئتها وقيافتها، وكل ما يتعلق بها:
أنواع ملابسها..
ألوانها وأشكال عناقها لها..
وتموجات شعرها.. اهتزازات مثيراتها..
لا يتصور الحالم، أن تضيع منه -وهو في حضرة الزاهدة- ثوانٍ، من دون أن يُمرِّغ خياله، فيما عسى أن تَعِدَ به تقاسيم جسدها، أو تبوحه عيناها.
ولا تتوقع (الزاهدة)، أن تقوى على مواجهة حوادث الأيام، من دون مؤانسةٍ من طيفِ (حالمها). وعلى احتمال كواسر الآلامِ، من دون مساندةِ من حميم خياله، وحمحمة رغابه!
***
جميلةٌ هي الحياة، جمال الحالم وزاهدته. الجميلان ليس بشخصهما فحسب، وإنما بتفهمهما واحترامهما، كل منهما للآخر.. جميلان باتفاقهما كثيراً، وباختلافهما أكثر. فالاختلاف هو التشذيب والتخصيب، وتالياً: الإبداع. في الوقت الذي لا يعود فيه التماثل والتناظر، على صاحبيهما، بغير خفيّ الفتور والركود، وتالياً: العقم.
جميلةٌ هي الحياة وجديرة أن تعاش، بحلوها ومرِّها، بمآسيها وملاهيها، بأفراحها وأتراحها، بليلها ونهارها، بأسودها وأبيضها وسائر أحوالها وألوانها: أخلاقاً ومعارف، صفات وأنواعاً وأدياناً واختلافات..
جميلةٌ هي الحياة، جمال الزاهدة السعيدة وحالمها الحزين. بلزومهما وضرورتهما لبعضهما، لزوم وضرورة الضفتين للنهر، الذي لن يكون نهراً من دونهما..
لزوم وضرورة: ثنائية الخير والشر، التوافق والتخالف، القبح والجمال، الحب والكراهية، الحرب والسلم، الكفر والإيمان، والحياة والموت، للإنسان..
تلك الثنائية التي أشبه ما تكون بجناحي المرء، الجناحان اللذان لا يطير – وهو على الأرض – إلا بهما كليهما..
***
مُعتلٌّ ومريض هو، كل واقعٍ، لا تُطل إحدى شرفاته على الخيال..
وفقيرٌ ومُختلٌّ هو، كل خيالٍ لا رصيد له، في أحد بنوك الواقع!