كلمة «إخصائي» في قول سائر بين المحصِّلين
هذه مقالة للمرحوم الأستاذ سعيد الأفغاني نشرها في مجلة (الثقافة) لصاحبها المرحوم الأستاذ مدحت عكاش، وبما أنها لا تكاد تعرف بين المثقفين، رأينا أن ننشرها في (النور)، عسى أن يكون في نشرها فائدة، وخصوصاً للسادة الأطباء في بلدنا.
لكل من علوم اللغة العربية منهج (خاص) متعارف بين المتخصصين، لا يجوز الخلط بين مناهجها. فمنهج متن اللغة غير منهج النحو، غير منهج البلاغة، غير منهج العروض. وعمدة متن اللغة النقل الصحيح عن أهل اللسان المتفق على فصاحتهم والاحتجاج بأقوالهم، والقياس على ما ثبت منها واطرد ولم يشذ. وهذا ما حفظ للغة سلامتها ورواءها على الدهور. فإن خالف شيء من ذلك القواعد المطردة، وثبت سماعه عن أهله سماعاً صحيحاً لا شائبة فيه، حُفظ ولم يقس عليه، كالضرورات الشعرية.
أما مرجع هذا السماع فالإمعان المتروي فيما في كتب اللغة الموثوق بها عند علمائها، وتجنب ما عرف منها بوحي الثقة أو تسقّط الشوارد والنوادر، أو التهاون بثبت الرواية ككتب المحاضرات والقصص والأخبار.
وليس لكل قارئ غير متخصص أن يعجّل الحكم على ما خيل له عفو الخاطر، فإن قراءة سريعة في معجم لم يعرف بالثقة عند العلماء مورطة في ذلك، بل أحياناً في فضيحة.
أهم ما أذكر في هذا الموضوع كلمة (إخصائي)، وبعضهم يلفظها تنطعاً بالتشديد (أخصّائي) يريدون بها معنى (اختصاصي). فلأتتبَّعِ تاريخها منذ شاعت في المئة السابعة للهجرة إلى أول هذه المئة الخامسة عشرة في أيامنا هذه.
وقد ثار حول هذا الاستعمال جدل كثير، بعضٌ أنكره كل الإنكار، وبعض آخر من محبي التفاصح تساهل فيه، وفريق ثالث جاهل استعمله فيما يكتب في بعض الجرائد والمجلات، حتى كادت تعم فيه البلوى في لوحات أرباب المهن المحترفين في الأسواق اليوم.
في سنة 1908 نشرت مجلة (المقتبس)، وكانت تصدر يومئذ أيام حكم الأتراك في القاهرة، في عددها الثالث ص،90 لصاحبها الأستاذ محمد كرد علي رحمه الله، وكان يُعنى بالموضوعات الاجتماعية عنايته بالموضوعات الأدبية نشرت مقالة بعنوان (الإخصاء في العلوم)، بدأته بقوله:
المخصيُّ: هو الذي يتفرد بدراسة فن واحد، من (أخصى الرجل إذا تعلم علماً واحداً).
وهذه الكلمات الست بين القوسين منقولة بنصها عن القاموس المحيط في مادة (أخصى) لا في مادة (خصَّ) حيث يجب أن تكون، في محلها الطبيعي. ثم أتى الزبيدي، شارح القاموس، ولعله نوى إبراء ذمة صاحب القاموس فزاد: (نقله الصغاني (1) وهو مجاز). وأهمل ذكر المصدر الذي اعتد عليه الصغاني، فبقي هذا المصدر مجهولاً، موضع ريبة، لا نور له من بين يديه ولا من خلفه.
أصل البلاء إذاً الصغاني. وقصته أنه أراد أن يستدرك على الجوهري ما فاته من اللغة في كتابه العظيم (تاج اللغة وصحاح العربية) المعروف اختصاراً ب (الصحاح)، فألف كتابه (التكملة والذيل والصلة). وفي هذا الكتاب أثبتت الكلمات الست كما نقلها القاموس المحيط (أخصى الرجل إذا تعلم علماً واحداً). فعلمنا أن أول من أخطأ فوضع هذه الجملة في غير محلها الطبيعي هو الصغاني، وأن مكانها الطبيعي هو مادة (خصّ) لا (أخصى)، بدليل ظاهر جداً هو أنها بهذا المعنى أُثبتت في كل المعجمات في مادة (خصَّ). ولعل التشابه بين رسمَيْ الكلمتين أو غيره من الاحتمالات هو السبب. لكن التساؤل الذي يفرض نفسه هنا قولنا: أفلم يسأل صاحب القاموس نفسه، أو شارحه، أو كل ناقل عنه أو عن الصغاني: ما العلاقة بين معنى (أخصى) ومعاني (الاختصاص) بجميع مشتقاته؟ أفلم يلفت نظرهم هذا الانبتات الصارخ بين المعنيين؟ أم هو درس للمتأمل الحائر أن لو كان أحد ينجو من سهو أو غفلة، وهو مكبٌّ على عمله لكان هؤلاء الفضلاء؟ فلنلقِ نظرة على حال كل من الصغاني والفيروز أبادي من الرواية والضبط:
يذكرون الصغاني المتوفى سنة 650 ه بكثرة تآليفه في اللغة وعنايته بالنوادر والشوارد، فجمع منها ما لم يجمع غيره، وهو كثير الترحال ولقاء الرجال، والاستبضاع من الرواية والرواة والمصادر. إلا أن شأنه شأن غالب المكثرين: يتسرعون في النقل والإثبات تسرعاً لا يجنبهم الزلل. وقد عرف العلماء ذلك من أمره، وأتوقع إذا طبع له كتاب طبعة محققة، أن نرى فيها من الحواشي المشيرة إلى مادة في غير موضعها أو كلمة مصحَّفة، أو ضبط غلطٍ.. الشيء الكثير دون أن أستكثره. وآخر ما اطلعت عليه من كتب طبعة محققة لكتابه (العُباب)، نشرها المجمع العلمي العراقي سنة 1979. فقد عدد محقق (العباب)، الأستاذ خير محمد حسن، مآخذه على الصغاني، و(في جملتها: أنه كان ينتحل أقوال العلماء، ولا ينبّه عليها إذا أخذ منهم). وكذلك أخذ عليه محقق كتابه: (الشوارد في اللغات)، الأستاذ مصطفى حجازي، في مقدمته الوافية أنه (لم يراعِ الترتيب الداخلي للكلمة، وربما أدخل في بعض الحروف كلمات ليست منها).
والصغاني نفسه أثبت اللفظ الصحيح لهذا المعنى في كتابه (التكملة والذيل والصلة) كغيره من المعجمات. ففي مادة (خصّ) قال: (فلان مخصٌّ بفلان أي خاص به)، فالمصدر (إخصاصي) لا (إخصائي).
والصغاني نفسه أيضاً نبه في خاتمة كتابه (مجمع البحرين) فقال: (وقد ذكرت في خاتمة مجمع البحرين من تأليفي صوني إياه عن الشوارد). وهذا مشعر بعدم الثقة بها، وأنه سمي بمجمع البحرين مما في كتابه (الشوارد).
وأما الفيروز أبادي فتآليفه أيضاً كثيرة، وعُني بكتب سابقه الصغاني واهتم بها، وأراد أن يجمع بين (المحكم) لابن سيده، و(العباب) للصغاني. وتوقف العلماء في قبول بعض دعاويه. قال ابن حجر: (كان الفيروز أبادي يرفع نسبة إلى أبي إسحاق الشيرازي، وكان الناس يطعنون في ذلك مستندين إلى أن الشيخ الشيرازي لم يعقّب. ثم ارتقى فادّعى، بعد أن ولي قضاء اليمن، أنه من ذرية أبي بكر الصديق، وعقب ابن حجر: (ولم يكن مدفوعاً في معرفة، إلا أن النفس تأبى قبول ذلك). وسافر إلى أقاليم عدة، وسمع بها، وجال فيما بين الأناضول إلى اليمن والهند، وحظي عند ملوكها، وولي القضاء في بلاد عدة، وألف في الحديث كتابه (الشيخ الجاري في شرح صحيح البخاري) الذي قال فيه ابن حجر: (ملأه بغرائب النقول. ولما اشتهرت مقالة ابن عربي في اليمن، صار يدخل منها فيه فشانه).
وعلى هذه الشاكلة من عدم التثبت نجعل نقله الساهي عن الصغاني تلك الكلمات الست: (أخصى الرجل: تعلم علماً واحداً) في غير موضعها الصحيح، وغرّر بالذين نقلوها اعتماداً عليه من شارح القاموس الزبيدي وممن بعده إلى اليوم، خالفاً عن سالف، هكذا بلا عزو، ولا علاقة بما قبلها البتة.
هذا في زمن الصغاني، المتوفى سنة 650 ه، والفيروز أبادي المتوفى سنة 816ه، والزبيدي 1205ه. فماذا في زماننا الذي عشناه حتى الآن؟ سأقصر الكلام على عملين حديثين: معجم، وكتاب تصدّى لتصحيح أغلاط دارجة:
1 المعجمات التي أخرجتها البلاد العربية في الشام ومصر وغيرهما في القرنين التاسع عشر والعشرين ما بين مختصرة ومتوسطة ومطولة كثيرة، وأغلبها قام به أفراد، فهي أعمال شخصية لا يُسأل بها إلا أصحابها الذين هم بين متعلم ومتعالم، وجاهل مركب الجهل (2) وما بين بين وعالم. وغالبها تعرَّض للملام والطعن.
تتسم كلها بالجرأة والاقتحام، حيث يتخوف العلماء مزالقها مستعظمين ما تتطلب من استعداد. وقلما نجا أحدها من الملامة والذم، وكان ضررها محققاً ونفعها موضع ارتياب.
اخترت من هذه الأعمال اللغوية معجماً أراد صاحبه الفاضل أن يحمل ما تنوء به العصبة أولو القوة فرزح تحته، ولم يستطع الوفاء بما عزم عليه. وعذره عندي أن ما خطط له فوق طاقة الفرد بأضعاف، فكان من الطبيعي أن يقف في أول الطريق على رغم ما بذل من جهد على مدى سنين.
وكان طموحه يحتاج إلى أموال وقوة بدن وتمام عافية لم يؤتها. وما يقتضي عمله من مراجعة وتحقيق ثم إعادة نظر وتمكُّن في العلوم واللغات ما لا يقوم به العشرات.
ذلك هو (المرجع)، وصاحبه الأستاذ الصديق الشيخ عبد الله العلايلي، أحسن الله إليه، فقد أراده معجماً وسيطاً علمياً لغوياً فنياً، مرتباً وفق الفرد بحسب لفظه، وألزم نفسه ذكر المقابل الفرنسي والمقابل الإنكليزي، فحوى جزؤه الأول المواد اللغوية بين الألف وكلمة (جدا) في 736 صفحة، بالحرف الصغير الذي لا يبين للعين السليمة إلا بمنظار، هذا عدا قسمه الفرنسي.
ويعنينا منه الآن لبحثنا تناوله كلمة (الإخصاء) هذه. وكنت أقدر أنه سيمر بزلة الصغاني غير عابئ البتة. وكان من وراء تقديري القدر فانجرّ إلى المزالق، بل زاده توسيعاً. إذ كان في عبارة الصغاني ست كلمات فقط، فزادها شرحاً ومكّن لها بزوائد طفيلية عن يمين وشمال حتى صارت أسطراً، وجعل لها في التعريف المكان الأول قائلاً:
(الإخصاء: مصدر من خَصِيَ (كذا)، الاقتصار على فرع واحد من فروع المعرفة والعلم، أي أفرد ولم يعدّد، سقيم.. ومن المنسوب: الإخصائي.. إنج، وفر.. المستحكم العلم في شيء ما. وله أيضاً: متخصص وهو أصح).
وقوله (وهو أصح) غير دقيق، والصواب أن يقول: (وهو الصحيح).
هذا المعجم (المرجع) مدّد المعنى المزعوم الذي لم يزد في القاموس المحيط على ست كلمات من الصغاني جعل له إضافات عن يمين وشمال حتى كأنه هو المعنى الأساس في الكلمة، على غير ما يسوغ في المعجمات الأصولية ذوات المنهج الملتزم، بينما لم يحظَ المعنى الأم بأكثر من كلمتين. وفي هذا بعض الإخلال في التوازن الواجب، الذي يفرق بين المعنى الأصلي للمادة والمعاني الفرعية.
ويجب ألا نغفل مع ذلك أن سعة الميدان الذي أخذ المؤلف نفسه بالجوَلان فيه لا تدرك. وأنى لفرد واحد مهما يؤتَ من بسطة في الإمكانات، أن يملك قدرات متخصصين متعددين في تخصصاتهم، ليكون لهم معجم متعدد الأهداف (وسيط، علمي، لغوي، فني، مرتب وفق المفرد بحسب لفظه)، وإزاء كل لفظ فيه مقابله الإنكليزي، ثم مقابله الفرنسي)؟
أرجو ألا يكون أمثال هذا المأخذ كثيراً في (المرجع)، فإني أعرف صاحبه الصديق بكثرة الاطلاع وسداد الإدراك في اللغة. وعذره عندي أن طموحه فاق قدراته، وجاوز بعيداً المدى الذي ظنه كافياً لهذا العمل. إن هدفاً واحداً من هذه الأهداف الثمانية، التي حددها لمعجمه، لخليق باستنزاف سنوات من أعمار المجدين المتخصصين.
أما العمل الثاني فكتاب (قل.. ولا تقل) للأستاذ مصطفى جواد العراقي، رحمه الله. فقد عرض لكلمة (إخصائي) بقوله ص 97:
(قل: متخصِّص بالعلم، ولا تقل: إخصائي). ولو اكتفى بقوله هذا لكان طبق المفصل وأوجز، لكنه أراد شاهداً عليه وتعليلاً له وتوسعاً، فحاد عن سواء السبيل:
أولاً: أما شاهده فقوله: قال جار الله الزمخشري في كتابه (ربيع الأبرار)، وهو كتاب مشهور: (إن من لا يعلم إلا فناً واحداً من العلم ينبغي أن يسمى خصيّ العلماء).
ويفهم من قوله (ينبغي أن يسمى) أنه لم يقع ولم يسمَّ. والزمخشري يقترح أن يسمى بذلك. أما الأستاذ جواد ففهم العكس، ومضى يعلل قائلاً: (والسبب في ذلك أن الوقوف على علم واحد عند القدماء كان عجزاً وعيباً، ومن لفظ الخصيِّ المذكور في ذلك، أخذوا الفعل: (أخصى يُخصي) والمصدر (الإخصاء).
فمعنى أخصى فلان: صار خصياً (كذا) في العلم، مثل: أثرى صار ثرياً، وأفصح صار فصيحاً (كذا أيضاً). قلت: لا يلزم من كلام الزمخشري ما فهمه الأستاذ.
ثانياً: وتابع الأستاذ جواد تعليله مازجاً به استنباطاً آخر غير صحيح أيضاً بقوله: (قال صاحب القاموس المحيط: (وأخصى: تعلم علماً واحداً). فاستنبط منه ما لا يدل عليه فقال: (وفي قوله إشارة إلى أنه لم يتقن العلم الواحد؟).
ولو كان فيه دلالة على الإتقان لقال: علم علماً واحداً وأتقنه وبرع فيه وتبحر فيه.. وما إلى ذلك (؟) فالإخصاء أقرب إلى الذم من التصريح به (كذا)، ثم إن قباحة اللفظ تدل على قبح معناه. وقد أحس بذلك من اختاره لتأدية منى (سبسياليست) الفرنسية.. إلخ (من هو)؟
وختم المؤلف كلامه بحكم صحيح سديد بقوله: (فأنت ترى أن (الإخصائي) اسم قبيح في المعنى وغلط في الوضع. قلت: ليته أراح القارئ من تعليلاته واستنباطاته، واقتصر على السطر الأول وهذا السطر الأخير.
مولد هذه الزلة إذاً، المئة السابعة للهجرة، ولم تُعرَف في علمي من قبل. أما المعنى فاطلبه في مادته الخاصة في المعجمات، حيث تجد في مادة (خ ص ص): خصَّه بالشيء وخصَّصه، واختصَّه: أفرده به دون غيره. ويقال: اختصَّ فلان بالأمر، وتخصَّص له: إذا انفرد به. ويقال: فلان يخصُّ بفلان ومُخَصٌّ بفلان: أي خاصٌّ به. فالكلمات إذاً: (أخصَّ إخصاصاً) لا (أخصى إخصاء). وعلى هذا فالأسماء هي: (اختصاصي ومختصٌّ ومتخصِّص ومُخَصٌّ ومُخِصٌّ وإخصاصي)، كل أولئك صحيح فصيح، أما (إخصائي) فخطأ فاحش قبيح.
زلة الصغاني تلك في المئة السابعة للهجرة هي التي أزلَّت صاحب القاموس المحيط في المئة التاسعة، وأزلَّت من تبعه تقليداً دون انتباه، حتى يومنا هذا في المئة الخامسة عشرة. وهذا هو الذي كان ينعته أهل العلم قديماً ب (الصُّحُفية). فإذا قالوا: (فلان صُحُفي) عنَوْا أنه أخذ علمه من الصحف، بغير إسناد يقرُّه العلم، فيزلُّ بما تحوي الصحف من خطأ وتصحيف، وزيادة ونقصان. أما الأخذ عن شيوخ المختصين فهم يبصّرونه بخطئها فيتجنَّبه، وبصوابها فينشره.
جنبنا الله الزلل، وهدانا إلى السداد والرشاد.
الهوامش
(1) هو الإمام الجامع أبو الفضائل رضي الدين الحسن بن فهد بن الحسن بن حيدر العمري الصغاني الحنفي اللغوي. توفي في 19 شعبان سنة 650 ه. كتابه (العباب) في عشرين مجلداً ولم يُكمل، إلا أنه وصل إلى مادة (بكم).
(2) لا يدري ولا يدري أنه لا يدري.