الأرض وما عليها..
غريبة هي هذه الأرض الرحيمة، فهي لا ترد على معاولنا وأزاميلنا وألغامنا التي نزرعها في رحمها إلا بمزيد من العطاء، وكثير من الخير، فتخرج لنا الأزهار والنخيل، والتين والزيتون، وإذا أمعنّا في الحفر والنبش داخل قلبها فلن يكون ردها إلا منحنا المزيد من الذهب والينابيع العذبة.
تسع أرضنا الجميع دون أن يضيق وجهها الكريم بأحد، تحتمل الخنازير والدواب، والديدان والعقارب، والثقيل والخفيف، والكريم والبخيل، ويبتسم ثغرها للفضاء بعد هدوء العواصف وسكون الرياح.
وثلوجها تغطي الأخضر واليابس، ونارها تدفئ كل حي، لكنها لا ترحم من يتطاول على شرفها وكرامتها، فهي تصبر إلى حين، وتتحمل أوجاعها، وتكتم أحزانها ما بقي بنو آدم في حدود الرد عليها بحب والأخذ منها باعتدال.
ويأتي ردها قاسياً، ومعاملتها عنيفة لا ترحم مع أولئك الذين يعاملونها بازدراء ولا مبالاة، لديها أسلحة فتاكة ومخالب أكثر حدة من السيوف والخناجر، فإذا أثارت براكينها من يوقفها؟ وإذا تحركت زلازلها فمن يهدّئها؟ وإذا هاجت بحارها فمَن ذا يجرؤ على الوقوف في وجهها؟!
ـ رفة جناح.. وغمضة عين
يمر بالزهرة فيحيلها إلى ثمرة، ويلمس البذرة تحت التراب فيجعلها شجرة، ويرافق فراخ الطير إلى أن يصبحوا نسوراً وصقوراً، ويمشي مع النطفة حتى تصير جنيناً.
ما أقوى الزمن.. وما أقساه!
وعلاقته بالعمر لا يمكن أن تخفى على أحد، فلا يقاس العمر إلا بالزمن، وإذا كان العمر جسداً فالزمن روحه، وحين يرحل الجسد تبقى روحه.
فالزمن باق ونحن إلى زوال!
وآثارنا على رمال الزمان، بعضها آثار نفوس كبار، وبعضها آثار أقدام.
باستطاعتنا إيقاف كل شيء إلا الزمن ودوران الأرض الذي لم يتوقف منذ مليارات السنين، ولن يتوقف. وما العمر إلا رفة جناح، وغمضة عين.. يمضي بنا، شئنا أم أبينا، وما أجمل أن يكون العمر مقياسه الشعور لا الأعوام.
ـ كثير الورق.. قليل الثمر
عجيب غريب هذا الزمن..
والأغرب هو بعض الناس الذين يمضون في حمل أعمارهم دون أن تترافق بالحس السليم والذوق والشعور بالمسؤولية.
وهؤلاء يرون الكلام من خلال المفردات والجمل والموسيقا، لا من حيث المعنى والمغزىّ!
وبعض الناس تبهرهم المظاهر، وتعميهم الثياب الأنيقة وربطات العنق ولونها الجميل.. وإذا سكن أرنب مزين بالذهب في أعلى القلاع اعتبروه عظيماً، وإذا هرب ثعلب بثروة كبيرة وأقام عند سفوح الجبال ظنوا أن طبعه تغير بمجرد استنشاقه هواء الجبال ورائحة أزهارها.
ما أكثر الذين يحاولون أن يسبقوا الزمن دون أن يتزودوا بالعلم والمعرفة والثقافة.. فتراهم يلبسون أفخر الملابس، ويتعطرون بأطيب الروائح، ثم يتزاحمون ليكونوا في الصفوف الأولى على المنابر وموائد الطعام، وهم يثرثرون بأرخص الكلام وأقل العبارات التي يخجل الأطفال أن يتحدثوا بها!
يتحدثون ويثرثرون.. ولا يقولون شيئاً.. همّهم الحكي.. وما أكثر الحكي لأنه مجاني بلا قيمة وثمن، المصيبة الكبرى أننا لا نجد في أحيان كثيرة مَن يضع حداً لهؤلاء السفهاء الصغار، فهم يتصورون بن صمت الآخرين وإنصاتهم لمَا يقولون هو أكبر دليل على فهمهم رموزهم الميتة.
إن كلماتنا تحددنا كما نحددها، فليس من ربطة عنقه يعرف العاقل، ولا من لحيته يعرف الفيلسوف، ولا من نسبه يعرف الشريف، فالشرف كان دائماً بالأدب لا بالنسب!
إن العمر شجرة، ثمارها العمل، وأزهارها السمة الطيبة، وأحياناً تكون الشجرة عالية ومعمرة ترتدي حللاً جميلة، لكنها قليلة الثمر، أو تكون شجرة أعمارها قصيرة كعمر الورود، لكنها تعطي ثماراً لذيذة لا تقدر على إعطائها أية شجرة تهتز من هبة ريح.
أن يكبر الإنسان ويزداد عمره شيء، وأن ينضج ويفهم أثناء تقدمه في العمر شيء آخر.. فالنضج لا يحدث إلا لقلة قليلة من الناس، وقد تشمخ بعض القامات من حولنا وتبقى رؤوسها فارغة منخفضة، ويقرأ بعض الناس مئات الكتب المليئة والزاخرة بالعبر والحكم والمواعظ، لكن حياتهم وأعمارهم تمضي بلا هدف ولا معنى!