واستشهد السلام.. في وطن السلام

ترانيمُ الصبح الآتي من رحم الليل تصدحُ في سمائنا المثقلةِ بهموم العابدين المتعبين من ظلم البشر..! وعلى غير عادتها تدقُ أجراس الكنائس معلنةً بدء فرحة الميلاد، هنا.. وهناك وفي كل الأمكنة فرحةٌ منقوصةٌ، ورسالة تسامح لم تكتمل بعد..!.

أيا كان النداء فالصدى المنبعثُ من حناجرنا المذبوحة بمدية الاحتلال طاف المدى، وحلَّ ضيفاً مرغوباً فيه أينما حلت قضيتنا بإنسانيتها تؤنس كل صاحب ضمير حي، لكن المفرح المبكي أن الظلم ظلَّ ظلماً، رغم حقنا الراسخ والذي يقرّهُ كل البشر إلا ما ندر.

على أعتاب العام الجديد ومع احتفالاتنا بعيد الميلاد المجيد نقول نحن الفلسطينيين (المجدُ لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة)، هذه هي رسالة التآخي والتسامح التي عشنا دهوراً نحترمها، وقدّمنا لأجلها قوافل الشهداء والأسرى والجرحى لننعم معشرَ الفلسطينيين في فلسطين الديمقراطية بالأمن والسلام الذي نفتقده منذ عقود.

في هذه الرقعة التي ملأها الاحتلال بحقده وقتله لا مجال إلا أن نكون فلسطينيين كطائر الفينيق نصنع من الموت حياة..  لهذا فإننا برسالة التآخي متحابين متسامحين موحدين نغلقُ بوابات الشيطان التي يحاول الظالمون فتحها، فلا مجال لنا إلا أن نعيش كما عاش الأولون والآخرون ممن سبقونا، ماؤنا واحد وهواؤنا واحد ومصيرنا واحد لا نحيدُ عنه ولو علقت لنا المشانق، ورصاص الاحتلال لا يفرق لهذا كانت رسالة التسامح مسيحيين ومسلمين توحدنا دوماً.

بعض العبارات هزتنا في الأعماق، هذا العام، وكان لها أثرٌ بالغ’ فهي رسالة إلى عدونا الغادر.. إياك أن تقترب من وحدتنا..!

إياك أن تسعى في فرقتنا

.. إياك وإياك وإياك..

(فان هدموا مساجدكم ارفعوا أذانكم من كنائسنا) هكذا قال الأب امانوبل مسلم في حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على شعبنا في قطاع غزة، هذه رسالة مسيحيي القطاع للاحتلال الذي دمر المساجد.

ولم نرَ أروع من الطفل الصغير أحمد وهو يزيّن شجرة الميلاد، ولا أروع من التقرير الذي أعدَ عن أجواء عيد الميلاد وكان كل المتحدثين فيه مسلمين، لم ينتبه معدو التقرير إلى هذه النقطة.

الآن ونحن نعيشُ في رحاب عيد الميلاد  والعام الجديد، وننتظر بفارغ الصبر ما يخبئه لنا العام الجديد،  نسأل ماذا يحملُ لنا ؟

وبأي حزن أو أي بسمة نستقبله؟ أسئلة مشروعة لشعب لم يرَ من السلام إلا اسمه.. ومن الأمان إلا طيفه..

ومن الفرحة إلا دمعتها..

 ومن حمامة السلام إلا صورتها..! وظلت حقول الشوكِ مزروعةً في طريقنا..!

أياً كانت الأمواج العاتية التي تترصدنا فلا مكان  إلا أن نضيء شمعة لغدنا وننتظر بريق الشمس آتية من سماء الفرح، لا نزهق الوقت في حساب الألم والخسارات، ولن نأبه بأولئك الذي تلذذوا في ارتشاف دمنا المسفوك، لن نكون على أعتاب العيد المجيد والعام الجديد إلا ظلالاً وافرة في عيون خاشعة ترنو بابتهالاتها نحو سماء عالية تسجل على سقفها وفي العام السلام في أرض السلام.

 مسيحيو الشرق بشكل عام، ومسيحيو فلسطين بشكل خاص، في كنيسة القيامة في القدس الشريف وفي بيت لحم في كنيسة المهد، وفي الناصرة أرض البشارة في كنيسة (البشارة)، لن تغيب البسمة عن وجوههم في لحظة تاريخية يعيشها الفلسطينيون أنى كانوا، لحظة فرحة أخوية، هذه هي رسالة التسامح والإخاء التي ستبقى دستوراً لنا بأن حنا والياس وكل الفلسطينيين تجمعنا بهم أخوة ووحدة ومصير، وهم الآن يحيون شعائرهم ويستقبلون العام الجديد غير آبهين بظلم الاحتلال وبطشه ، هذه هي رسالة السلام  فكل عام وانتم بألف خير  من أرض استشهد فيها السلام، وظل السلام بين أبناء الشعب الواحد هو السلام.

العدد 1194 - 15/04/2026