طلاب الجامعات.. إلى العمل درّ
انعكست الأزمة سلباً على كل القطاعات ومنها القطاعات التعليمية، فازدادت أعداد المتسربين من التعليم بسبب العنف وصعوبة التنقل والقوانين التي فرضتها التنظيمات التكفيرية في الأماكن التي تسيطر عليها، خاصة على الفتيات، ومن جهة أخرى دفع سوء الأوضاع المعيشية وتراجع مداخيل العائلات أعداداً متزايدة من الطلاب الذين تزيد أعمارهم عن 15 عاماً إلى دخول سوق العمل لتأمين قوتهم وقوت أسرهم، وما يصاحب ذلك من فقدانهم الحقوق الأساسية الأخرى كفرص العمل اللائقة، التمتع بمستويات صحية واجتماعية مناسبة.. مما ينعكس على معدلات التنمية البشرية، لأن التسرب يعدُّ إهداراً للموارد البشرية والمجتمعية، كما أنه يدلّ على عجز النظام التعليمي عن الاحتفاظ بالملتحقين به، بسبب التسرب أو تكرار الرسوب.
طلاب كثر ممن التقتهم (النور) غادروا مقاعد الدراسة تاركين أحلامهم وكل منهم له أسبابه، فـ(طارق.م) كان يؤثر الألعاب الرياضية ويدرس التاريخ، لكنه ترك الجامعة إثر وفاة والده بقذيفة هاون ليعمل سائقاً للتكسي، ويعيل أسرة مؤلفة من والدته وخمس شقيقات أكبرهن بعمر خمسة عشر ربيعاً، ونوه طارق إلى توجه عديد الشباب صوب التنظيمات المسلحة في ظل انتشار البطالة والفقر، مؤكداً أن الأزمة ساهمت في تحويل الرأس المال البشري من النشاط الاقتصادي المعتاد ليتجه صوب خدمة العنف.
الأمر ذاته تكرر مع طالب الاقتصاد (أحمد.ف) الذي ترك دراسته إثر مغادرته حمص متجهاً مع والدته المسنة وشقيقه المريض لدمشق، حيث بدأ رحلة البحث عن عمل لينتهي به المطاف كنادل في أحد المقاهي بأجر لا يكفيه شيئاً، وعما إن كان بحث عن عمل في القطاع العام أو الخاص، قال: (إن المحسوبية والواسطة هما الأساس في التوظيف)، مشيراً إلى وجود أعداد كبيرة من الخريجين لا يتمتعون بالمؤهلات ولكنهم حصلوا على وظائف ذات مراكز عليا، وعما إن كان يسعى للعودة إلى الدراسة في حال توفر الفرصة قال أحمد: (إن ضعف الربط بين ما يتعلمه الطالب في المحاضرات وواقع الحياة العملية والوظيفية بعد التخرج، يقلل من أهمية ما نتعلمه في الجامعة، فالأساس للخبرة العملية والتدريب الغائبين عن جامعاتنا)، مؤكداً سعيه لاكتساب خبرة عملية لن يحصل عليها من المحاضرات الجامعية التي تعتمد على التلقين والحفظ فقط. أما طالب الدراسات العليا في الإعلام محمد.ب فرأى أن إكماله للدراسة حالياً يشكل عبئاً كبيراً على أهله، خاصة أن المعمل الذي كان يعمل فيه والده قد أُغلق وسُرّح عماله كافة دون أي تعويض، فاضطر للبحث عن عمل هو وأخوه الأصغر، وبين محمد أن الأزمة فرضت على الكثيرين التوجه للعمل بمهن غير لائقة بشباب-ات جامعين، وبعيدة كل البعد عن مجال دراستهم، ولفت محمد إلى انتشار حالة قلق بين الشباب الجامعي من إيجاد عمل بعد التخرج في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية قائلاً: (إن الحكومات السابقة لم تتمكن من تأمين فرص عمل للخرجين في الظروف الاعتيادية فكيف تقوم بذلك في وقت الحرب؟)، وأكد محمد أن ذلك يجعلهم يتساءلون عن جدوى الدراسة الجامعية على الأقل في علاقتها بالعمل المستقبلي، لافتاً إلى أن ذلك يسهم، ولو جزئياً، في الانصراف عن الدراسة الجامعية نحو بدائل تعليمية وتدريبية قد تكون أكثر عملية وفعالية في الحصول على فرصة عمل دون الحاجة إلى شهادة جامعية.
ولم يقتصر الحال على الشباب، إذ أن عدداً من الشابات حذون حذوهم أيضاً، ومنهم طالبة الفنون (فرح.ح) التي استشهد أخوها بأحد التفجيرات وأصيب الآخر، ما اضطرها لتعمل مع والدتها بالخياطة لتعيل والدها المريض وأخاها المصاب، وأكدت فرح أنها تشعر بالإحباط لأنها قدمت للعمل في مجال دراستها في أكثر من مكان ولكنها لم تحصل على أي رد، وعزت تزايد أعداد الطلاب المتسربين من الجامعة إلى انخراط بعض الطلاب طوعاً أو الزاماً في تخصصات لا يرغبونها، الأمر الذي يدفعهم إلى الانسحاب منها لدى أول فرصة.
بالأرقام
– بعض التقارير أشارت إلى تراجع الدخل في عام 2014 بنسبة 29.3% مقارنة بالعام 2010 ليعكس بذلك الانكماش الاقتصادي المتواصل خلال الأزمة، إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعام 2014 ليعادل 38% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2010.
– ارتفعت نسبة الفقر خلال العام الماضي في جميع أنحاء البلاد نتيجة عدد من العوامل تتضمن ارتفاع أسعار السلع والخدمات، والارتفاع الحاد في معدلات البطالة، وازدياد عدد النازحين الذين فقدوا ممتلكاتهم، إضافة إلى الانكماش الاقتصادي الكبير، وتحرير أسعار الوقود، وتقليص دعم الأغذية الأساسية خلال النصف الثاني من العام 2014 وقد تفاقم هذا الوضع أيضاً جراء العمليات الإرهابية التي ينفذها الإرهابيون في أنحاء البلاد، ووفقاً للتقرير بلغ عدد السوريين الذين يعيشون في حالة الفقر أكثر من70% مع نهاية العام 2014حسب تقارير أخرى.
آثار كبيرة
إن ظاهرة التسرب على مستوياتها كافة ظاهرة خطيرة ترتبط بعمليتي التربية والتعليم والنمو والتنشئة الاجتماعية، وقد تؤدي إلى أنواع عديدة من السلوك المنحرف، وهو ما لمسناه في الكثير من القضايا. وتتعدى نتائج التسرب الجامعي الظروف الآنية، إذ تسهم على المدى الطويل في تدنى المستوى التعليمي والثقافي، إلى جانب المستوى الاقتصادي الذي يتمثل في الخسارة التي تعود على المجتمع جراء ضياع وفقدان جزءٍ من الطاقة البشرية التي كان من الممكن أن تساهم في عملية الإنتاج والتنمية بعد التعليم والتأهيل المناسبين، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، لأن العامل يلتحق بسوق العمل قبل الاعداد المناسب له، وهو ما يسبب اختلالاً في مدخلات ومخرجات العملية التعليمة، وفقدان التوازن بين مخصصات التعليم والموازنة العامة للدولة، مما يؤثر على خطط التنمية ويشكل هدراً لموارد الدولة الاقتصادية. ومن ناحية أخرى يتولد انطباع لدى الجهات الموظفة بتدني مستوى المؤسسات التعليمية في التأهيل والتعليم، وأنها تخرِّج أنصاف متخصصين، وبالتالي عدم إتاحة فرص توظيف جيدة لهذه المخرجات، مما يزيد من تفاقم المشكلة بالتزامن مع ضعف الدوافع لدى الطلاب الجدد في الجامعة.
اقتراحات وحلول
يعدُّ التسرب هدراً في استثمار القوى البشرية التي هي الهدف الحقيقي للتنمية ووسيلتها، لذا نحتاج إلى إجراءات فاعلة للحد منه بدءاً من سياسات القبول الجامعي، مع العمل على ربط الاختصاصات الجامعية مع احتياجات سوق العمل الحالية، وخلق الحافز لدى الطالب لمتابعته دراسته، كالتزام الدولة بتوظيف الخريجين من كافة الاختصاصات في القطاعين العام والخاص، الأمر الذي يتطلب إقامة مشاريع إنتاجية وخدمية جديدة وتطوير القطاعات الصناعية القائمة.
تشجيع الطلاب على إقامة مشاريع إنتاجية خاصة بهم تتعلق بمجال دراستهم وتقديم القروض اللازمة لهم، ومدهم بالخبرات ومساعدتهم على انطلاق المشروع، وهو ما يسهم في الحد من مشكلة البطالة المتفاقمة في المجتمع السوري، ويعزز ارتباط الطالب بفرعه، وانتمائه إلى أرض وطنه.
السماح لمن أجبرته الأحداث على مغادرة الجامعة بغض النظر عن الأسباب بالعودة إلى مقاعد الدراسة.
إن الأزمة الاستثنائية التي نعيشها تتطلب من أصحاب القرار حلولاً استثنائية لم نلمسها بعد.. فهل نبدأ بتلمس بعضها على أرض الواقع؟