الخطوات الإيجابية لتنمية أطفال إيجابيين

من أكبر التّحديات الّتي تواجه الآباء تنشئة أطفال إيجابيين، خاصّة في ظلّ هذه الظّروف الصّعبة الّتي عاشها وما يزال يعيشها الطّفل السّوريّ والأسرة السّوريّة، لذلك بدأ قادة المجتمع بالبحث عن أفضل الطّرق والاستراتيجيات لتنمية الخصائص الإيجابية، وعملوا على تلخيص التّربية الإيجابية بثلاث نقاط مهمّة هي: البيئة، النّطق السّليم، الفضول، وأكّدوا أهمية الدّور الّذي يلعبه تعليم النّطق، وأهمية زرع مبادئ القدرة على التّعبير في سنّ مبكرة، من خلال التّفاعل مع الأطفال لا مخاطبتهم فقط وتوجيه التّعليمات لهم، خاصّة داخل مراكز الإيواء، وبالتّدريب على النّطق السّليم نعمل على تنظيم بيئة الطّفل، وبتكسير الكلمات على هيئة أصوات مناسبة سيتعلّم الطّفل كيف يُحلّل الكلمات وبعد ذلك معانيها، وما أن يُتقن الطّفل هذه المهارة حتّى يتبع ذلك مباشرة خاصية تذكّر الحقائق والمبادئ الّتي يُمكن تطبيقها في مجالات أخرى؛ كلّ هذا يُمكّن الطّفل من التفكير بشكلٍّ تحليليّ ومنطقي مما سيترجم إلى قدرات متزايدة لاستيعاب أيّ معلومات فنيّة.

وقد أوضحت الدّراسات الأخيرة بأنّه بمجرد بلوغ الطّفل الخمسة أشهر داخل رحم الأمّ يكتمل لديه تكوين الأذن، ويستطيع أن يستمع إلى الأصوات، ويحرك عينيه وتنمو له خلايا متكاثرة في المخّ يستخدمها للتذكّر ببراعة تفوق ما سوف يحدث معه بعد ذلك طوال عمره.

لذلك الأطفال الذين استمعوا في فترة الحمل إلى الأصوات العنيفة، أو عاشوا الضّغط النّفسي الّذي كانت تعيشه الأمّ، يجب العمل عند ولادتهم على وضعهم في بيئة هادئة ، مليئة بالأغاني الكلاسيكية، والتّحدث معهم بصوت منخفض، ومدّهم بالعديد من الألعاب والشّرح لهم بكلمات بسيطة وناعمة، إظهار مشاعر الحبّ والعطف والحنان لهم بكلّ صدق، والابتعاد عن مشاهدة أفلام كرتون الّتي تحوي معارك ومشاجرات مثل (توم وجيري)، (باباي)، (الحشرة بوني الّتي تتلقى رصاصاً بشكل دائم) والاستعاضة عنها بأفلام كرتون تعمل على تنمية مشاعر وعواطف الطّفل مثل (سنان، ساندي بل، صاحب الظّل الطّويل، افتح يا سمسم، الخ…)، والابتعاد عن الألعاب الالكترونية الّتي تظهر مشاكل الزّواج، العنف، الجنس، المغامرات وما شابه.

إنّ العمل على تنمية مشاعر الطّفل والإغداق عليه بالمحبّة الصّادقة خاصّة الأطفال المحرومين من العطف والحنان، هو اللّبنة الأساسية في تطورهم نحو الأفضل وبدون رواسب سلبية، فجرعات المحبّة غير المشروطة هي الوحيدة الكفيلة بتحرير الطّفل من كلّ الضّغوط الّتي مرّ بها أو الأصوات الّتي سمعها وهو ما زال داخل رحم أمّه.

أمّا بالنّسبة للأطفال الّذين تأخروا عن الالتحاق بالمدرسة، أو اضطروا إلى الدّراسة والتّعلّم داخل مراكز الإيواء، يجيب الأخصائيون بأنّ المدرسة يمكن أن تنتظر لأنّ الأهم في هذه المرحلة هو تنشئة أطفال سعداء قادرين على تجاوز التّجارب العنيفة الّتي مرّوا بها لكي يتمكنوا مستقبلاً من بناء وطنهم بمسؤولية وإخلاص.

إذاً؛ أين نقطة البداية أو الانطلاق؟! يشير قادة المجتمع بأنّ الطّفل يمرّ بثلاث مراحل:

* المرحلة الأولى هي بين عمر السّنة وحتّى السّابعة من العمر، وهي المرحلة الخاصّة بتلقي التّعليمات، أثناء ذلك يحتاج الطّفل إلى أن يعرف ما هو المطلوب منه بالضبط، لأنّه بدون تعليمات واضحة سيصبح مشوشاً، ولن يشعر بالسّعادة والأمان، وسوف ينمو بداخله شعور بأنّه غير محبوب، بالإضافة إلى أنّه سيثور أحياناً بأسوأ مظهر.

إنّ السّنوات المبكرة في حياة الطّفل هي أهم الأوقات لتطور أخلاقيات الطّفل، لأنه في هذه المرحلة بحاجة إلى أن يعرف ما هو المطلوب منه فعله تماماً قبل التّفكير بما يجب عليه القيام به، هذه النّوعية من التّعليم سوف تبدأ معه منذ ولادته، وسوف يباشر المسؤولون على تربيته بالعمل على تنفيذها، لأنّ هذه هي المرحلة المناسبة لتعلّم الطّاعة الّتي تعتبر العنصر الأساسي في تطور الشّعور الذّهني والأخلاقي لديه.

وقد أوضح الأخصائيون بأنّ الطّفل في هذه المرحلة يعيش في عالم من الشّعور والاكتشاف أكثر من المنطق والتّفكير. كما أكّدوا بأنّ الطّفل يشعر منذ اللّحظة الأولى باللّمسة الطّبيعية، وبالجوّ العاطفي المحيط به، نغمة الصّوت، الخ… لذلك يجب على القائمين على العملية التّربوية خاصّة داخل مراكز الإيواء وضع قوانين واضحة للأطفال، والعمل معهم من خلالها، ومناقشتهم في الأخطاء الصّغيرة خاصّة في هذه المرحلة العمرية، وعدم الاحتفاظ بسلطتهم للأخطاء الكبيرة لأنّه عندها يكون الوقت قد فات وفقدوا أيّ سلطة على الأطفال. فيجب عدم الضّحك على تصرفاتهم، وفي وقت متأخر جداً في سنّ المراهقة العمل على وضع القوانين والنّظم.

إذاً المرحلة الأولى هي الأهم في توجيه الطّفل والعمل على استقراره عاطفياً، كما أنّ تحصيله الذّهني يجب أن يتماشى مع جميع الخصائص المطلوبة مثل الحزم مع الحبّ، الإصرار، التّوقعات الواضحة والثّقة، كلّ ما سبق ضروري لتنمية أخلاقيات وسلوك الطّفل.

* المرحلة الثّانية من عمر الطّفل هي مرحلة التّقليد، وهي تبدأ من سن الثّامنة وتمتد حتّى الثّانية عشر، في هذه المرحلة يحتاج الطّفل لأن يتعلّم من المثال الرّاسخ، لأنّ قدرته على التّفكير بشكلٍّ مجرد ليست متطورة كما يجب بعد، والمظاهر القوية والضّعيفة في شخصيات الرّاشدين المسؤولين عليهم تنعكس كالمرآة، والأشياء الّتي لا يقبلونها في الأطفال هي أسوأ أخطائهم كراشدين، وهنا يوضح قادة المجتمع بأنّه لا يوجد أيّ تدريب يمكن أن يبطل مفعول المثال الّذي ينقله المسؤولون على تربية الطّفل في هذه المرحلة.

ذكر أحد الحكماء يوماً: (هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى، ألا يسقط الاثنان في حفرة واحدة. وليس التّلميذ أفضل من معلّمه، بل كلّ من صار كاملاً يكون مثل معلّمه…) هذه الحكمة توضح بأنّ الطّفل في هذه المرحلة يبني ويكوّن طبعه ومزاجه الأساسي الّذي سوف يرشده بعد ذلك لاتخاذ القرارات المصيرية الكبرى في الحياة، وفي هذه المرحلة ينشأ حجر الأساس للمعتقدات والقيم الّتي ستساعده ليصبح عنده ما يتمسك به عند هبوب عواصف الإغواء، الّتي تتجلّى أثناء فترة البلوغ.

كما ستتبلور اتجاهاته وميوله نحو الحياة والآخرين، وذلك بملاحظته للراشدين الّذين يتعامل معهم كيف يتحدّثون والطّريقة الّتي يطلبون بها حاجاتهم، والأسلوب الّذي يتعاملون فيه مع بعضهم البعض.

وبناءً على ذلك ينصح قادّة المجتمع أن نرفع معدّل القراءة لدى الأطفال في هذه المرحلة خاصّة داخل مراكز الإيواء، لأنّ الكتب والمجلات الجيّدة تساعد على تحديد القيم والمبادئ، خاصّة تلك الّتي تدافع عن الحقّ والأمانة بشجاعة، لأنّ ذلك يدعو الطّفل إلى تقليد الأبطال في القصّة في امتثال مواقفهم الشّجاعة.

* المرحلة الثالثة هي مرحلة الإلهام، وتبدأ من سن الثّالثة عشرة، في هذه المرحلة يأخذ الطّفل الإلهام من الأفكار الكبرى، وهنا هو بحاجة إلى أبطال، فإذا لم يحصل على أبطاله سيقوم بالبحث عنهم بنفسه، وإذا لم يحظَ بالنّوع الجيّد سيتأثر بالسيئ منهم بالتّأكيد.

خلال هذه الفترة تستقر طباع الطّفل إذا ظهر أمامه هدف ذهني محدّد، وهو بحاجة إلى أهداف واضحة دائماً يعمل عليها، إليأن تكون ضوابطه الدّاخلية فعّالة لأنّ المسؤولين عنه غير متواجدين دائماً.

لذلك ينصح قادة المجتمع بأن يتم الاهتمام بنوعية الأشخاص المسؤولين عن إدارة مراكز الإيواء والمراكز المجتمعية المشرفين مباشر تدريب فرق التّطوع الّتي ستعمل مع الأطفال على نحو مباشر، فإذا كان المسؤول قدوة سيئة فما الخبرة الّتي سيقوم بتدريبها ونقلها للمتطوع والّذي سيعمل بدوره لنقلها للطفل؟!

لذلك علينا جميعاً السّعي إلى توفير شروط مناسبة تساعد أيّ طفل على الارتقاء بمقدراته، وتمكنّه من العيش بشكلٍّ أفضل ولكي يكون لامعاً في مجتمعه وبيئته.

العدد 1195 - 23/04/2026