استذكار «مرثية الصفاء» في رحيل المؤرخ والمفكر الفلسطيني إلياس شوفاني

ودعت دمشق يوم السبت (26/1/2013) المؤرخ والمفكر الفلسطيني المناضل إلياس شوفاني، عن عمر يناهز الواحد والثمانين عاماً. ويعدّ الراحل واحداً من أبرز الأكاديميين الفلسطينيين، الذين التحقوا بالعمل الوطني الفلسطيني، ولاسيما بحركة فتح، منذ ستينيات القرن الماضي، وقدم لها من زاده الفكري والثقافي، فأغناها واغتنى بها..

وقد ترك لنا شوفاني إرثاً غنياً من المؤلفات والأبحاث والدراسات الفكرية والتاريخية، ومن أهم مؤلفاته: (الموجز في تاريخ فلسطين السياسي (منذ فجر التاريخ حتى سنة 1949م))، (من تسوية إلى حلف: طريق بيغن إلى القاهرة)، (رحلة في الرحيل (فصول من الذاكرة.. لم تكتمل بيروت))، (مجزرة الطنطورة في السياق التاريخي لتهويد فلسطين)، وغيرها الكثير.

وبمناسبة رحيله نتوقف ههنا عند كتابه (مرثية الصفاء .. سيرة ذاتية)، الذي أودعه الراحل خلاصة تجاربه الشخصية مع القضية الفلسطينية، في ثمانين عاماً. ولا يريد (شوفاني) من كتابه هذا أن يؤرخ للقضية الفلسطينية التي وضع بخصوصها نحو عشرين كتاباً، بقدر ما يريد أن يؤرخ لحضوره الشخصي في القضية، ولذا يقول في مستهل المقدمة: (إن هذا الكتاب ليس تأريخاً للقضية الفلسطينية، وهو بالتأكيد ليس شهادة على العصر، فما لدي قوله في هذا المجال، ورد في كتابات أخرى متعددة، لكنه مجرد سيرة ذاتية تتمحور حول ذلك الجانب من حياتي المتعلق، بصورة أو بأخرى، بالعمل الوطني الفلسطيني).

وحول تصديه لكتابة سيرته الذاتية بنفسه، يوجز شوفاني الأمر بأسطر تبدو وجدانية نوعاً ما . . يقول: (لعلّي كنت أفضل أن يقوم غيري بكتابة هذه السيرة، خاصة من أبناء الجيل القادم المعنيين بمعرفة ما جرى، دون أحكام سابقة. أما وقد اعتزلت العمل السياسي الميداني على غير إرادة مني، فقد أقنعت نفسي بتولي المسألة ذاتياً، ونزولاً عند إلحاح بعض الأصدقاء).

ويعرّف هذه السيرة الذاتية، ذاتياً، فيقول: (هي ليست دراسة منهجية، في تقديري، إنها لا تخلو من فائدة ولذلك كتبتها. أما عدا ذلك فالمسألة تتوقف على عدد من الاعتبارات لا بد من توفرها لتأخذ السيرة الذاتية مسارها حتى النهاية).

ويختم: (لقد حاولت تجميع الذاكرة قدر المستطاع، واستعنت بطبيعة الحال ببعض المراجع المكتوبة وأرجو أن أكون وفيت بالغرض).

الإشارة تكفي ذوي الألباب.

يتناول شوفاني في تقديمه سيرته الشخصية المرتبطة بالقضية الفلسطينية كل مراحل عمره بدءًا من الولادة في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين، وانتهاء بالعام الأخير الذي يعيشه أثناء طباعة الكتاب – الصادر عن (دار الحصاد) في دمشق عام (2009)، ويتناول كل فترة أو مرحلة من المراحل بتفاصيل عاشها، بدءاً من مرحلة الولادة في الثلاثينيات، حين كانت الثورة العربية الكبرى في فلسطين ما بين (1936 و1939)، والتي يؤكد أن ملامحها لا تزال ترتسم في ذاكرته.

وحول حرب فلسطين 1948 التي كان خلالها يافعاً، يقول إن حقل معرفته حول ما جرى هو أكثر شمولاً، يقول: (بالفعل شمولية التجربة أوسع، ومجال التساؤل عندي أكثر اتساعاً مما كان سابقاً. ومع ذلك، تأثرت الذاكرة، الآن، بطبيعة الحال، بالدراسات اللاحقة، خاصة عندما أصبح تاريخ فلسطين وقضيتها مجال اهتمامي المهني والأكاديمي، كما الميداني السياسي. والأكيد أن تفسيري للأحداث التي خبرتها في الواقع، ومعالجة خلفياتها في الكتابة، تأثرت، دون شك، بالدراسات الواسعة التي قمت بها لإعداد كتاباتي في هذا المجال).

وعن الفترة اللاحقة، بعد قيام المسماة (إسرائيل)، ودخول شوفاني العمل المناضل من أجل قضيته، والتي كان فيها في موقع التعبوي التثقيفي، فإنه يشير إلى أن ما يرد في هذا الكتاب هو لمختارات تدور حول الأحداث التي كان له دور فيها.

يقول في هذا الصدد: (نشاطي خلال تلك الفترة اتخذ طابع السرية، وكثيراً ما جرى تشويه مواقفي ودوري في تلك الأحداث الواردة في الكتاب، لذا رأيت من الأهمية بمكان وضع الأمور في نصابها، وبالحد الأدنى من المماحكات مع الأطراف المعنية).

ويتناول في هذا الجانب من سيرته الذاتية مراحل تبلور مواقفه الفكرية والسياسية، وكذلك المهام الوظيفية التي تولاها في المؤسسات البحثية غير المرتبطة بالثورة. وإذ يتناول الكتاب أحداثاً متعددة، لم يغطها جميعاً في الإطار الزمني المعني، بل اقتصر على التطرق إلى تلك التي كان للكاتب دخل فيها وفي مجرياتها وتفاصيلها، وحتى نتائجها.

وفي الجوانب الشخصية، أي علاقة شوفاني بأشخاص مروا في سيرته ممن كانوا أصدقاء أو خصوماً، فإن الرجل يعترف بأنه قصّر في الكتاب في مسألة إيفاء الآخرين حقهم: (أنا مقصر في هذا المؤلف بحقوق الأشخاص، ممن يستحقون التقدير أو التقريع .. لكن الإشارة تكفي ذوي الألباب .. التقصير مقصود لأن الإسهاب في تناول الأمور الشخصانية يجعلنا نخرج عن المضمون وعن السياق المناسب للنشر، وربما عن المقبول للقارئ).

وكم هو مؤثر ذلك الإهداء الذي يتقدم به شوفاني في الصفحة الأولى، والذي خص به ابنتيه (هند ونور)، اللتين يخاطبهما بالتالي: (إلى ابنتيَّ هند ونور .. ما ورّثتُ وطناً حراً لأورثكما إياه . . وما لمت جدكما  والدي  على ضياع الوطن ..  أملي ألا تحمّلاني مسؤولية الإخفاق في تحريره .. لقد حاولت .. وهذه قصتي الكاملة).

شوفاني في سطور ..

ولد الراحل إلياس شكري شوفاني في قرية (معليا) – الجليل الغربي – في فلسطين المحتلة عام ،1932 ودرس الثانوية في عكا ثم تابع دراسته الجامعية في القدس وسافر إلى الولايات المتحدة عام 1962 وحصل على شهادة الدكتوراه في تاريخ الحضارة الإسلامية من جامعة (برنستن) ،1968 وكانت دراسة عن (حروب الردة)، وقد صدرت في كتاب. عمل إلياس بعد ذلك أستاذاً مساعداً في جامعة (ماريلاند).

انضم الراحل إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وعين مسؤولاً إعلامياً، ثم غادر الولايات المتحدة نهائياً إلى بيروت على أثر حرب أكتوبر/ تشرين الأول ،1973 وعين مسؤولاً في مركز الدراسات الفلسطينية متخصصاً في الحركة والكيان الصهيوني. وكان عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح، وعضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، وكان من قادة التيار الديمقراطي في الحركة.

في وداعه كتب صقر أبو فخر: (رقد إلياس شوفاني رقدته الأخيرة في دمشق قريباً من منبت أجداده في يبرود، بعيداً عن مسقط رأسه في فلسطين. هكذا قطع إلياس شوط حياته بكثير من الألم والصبر والمعاندة والخيارات الصعبة، إلا أن أحلامه خالفته، وخيبت تقلبات الأحوال توقعاته، فعاش أواخر أيامه قريباً من الزهد، وبقي في جميع مراحل حياته نظيف الكف وفقيراً معاً).

العدد 1194 - 15/04/2026