بين الضرورة والمضرة

أود هنا الخوض في حديث عن رغبة طالما أرَّقت الكثيرين واجتذبتهم للكتابة… رغبة قابعة في ذواتنا، مَنَّ الله بها علينا لاستمرارية الكون والحياة… حديث يعتبره البعض مكروراً لا جدوى فيه…

     لقد وُصِفَ النمو الجنسي بأنه أحد المحاور الهامة لثورة النمو التي تحدث في سن المراهقة، هذه السن التي تمثل الجسر الذي يعبر عليه الأبناء والبنات من عالم الطفولة إلى عالم الشباب، مصحوباً بتغيرات نفسية وعاطفية وعقلية واجتماعية يكون لها عظيم الأثر في حياة الفرد المستقبلية.. ما يوجب علينا الإعداد النفسي للطفل (ذكراً كان أم أنثى) لاستقبال هذه التغيرات التي تصاحب المراهقة، وهي العملية التي نسميها إجمالاً (التربية الجنسية للمراهق)… ولكن…

* ألا تستوجب التربية الجنسية منا الوقوف عندها مطولاً… لدراستها أولاً… وإيصالها ثانياً… إلى أبنائنا بأسلوب علمي دقيق ومُبَسَّط؟

* هل نحن قادرون على مناقشة ومحاورة أبنائنا ذكوراً وإناثاً بالأمور الجنسية من دون وجل أو خجل!؟

* في حال مقدرتنا، هل يعتبر هذا النقاش صحياً، إلى أي مدى، وما هو السن المناسب لهكذا نقاش؟

* هل يعتبر الوعي الجنسي ضرورة حتمية للمجتمع، أم هو مَضَرَّة وعلينا تنحية الوعي والرغبة على حد سواء؟

* إذا كان الوعي الجنسي ضرورة، فهل بإمكاننا عقلنة هذه الرغبة، بوضعها في موقعها الصحيح الذي وجدت من أجله، وعدم تحويلها إلى سيل، جارف، ناسف للمجتمع وأخلاقياته..؟

* هل الإعادة في موضوع كهذا أمر عديم الفائدة، أم الاستمرارية فيه واجب علينا ما دامت الأجيال تتوالى؟

     عديدة هي الأسئلة التي شغلت كلاً من المختصين والمعنيين… وكثيرة هي الأسئلة الموجهة إلينا من قبل أبنائنا، ووقفنا عاجزين أمامها، حتى باتت مصدراً للقلق والحيرة الدائمين لهم، لاعتبارنا إياها وقحة أحياناً، وأنه يجب علينا الانتظار ريثما يصبحوا قادرين على الفهم والاستيعاب – من وجهة نظرنا… هذا في حال امتلاكنا المعرفة والأسلوب اللازمين للإيضاح – مُتناسين وسائل الاتصال الحديثة، وقنواتها المتعددة القادرة على إيصال المعلومة بسهولة وسرعة فائقتين، وبما لا يتناسب وثقافاتنا. ناهيك عن بعد الانسجام مع عاداتنا وتقاليدنا… فأساليب السيطرة على الشعوب – ومن خلال أبنائها – أُخرِجَت من إطارها التقليدي، ليصبح الاندساس في أعماق النفس البشرية بطرائق ممنهجة ومدروسة لفرض الثقافات، وبثّ الأفكار الهدَّامة. هو الأسلوب الأنجع والأكثر تطوراً. حيث يسهل توجيه الشعوب وتوليفها (بالريموت كنترول) من خلال عولمة وأمركة، سداها الغايات المبررة، ولحمتها الأنانية والمنفعة أحادية الجانب. فمن احتاط لنفسه بقوقعتها انكسر، ومَنْ بُهر بقشور مشوهة للثقافات أغرق نفسه ومَنْ معه في بحر من التخلف والجهل… وتبقى هناك مجموعة من المثقفين الحقيقيين، الذين وجدوا في الهروب والانقياد، انهياراً/ حضارياً/ ثقافياً/ إنسانياً، تستحيل مقارعته بغير إنشاء مصدات عالية… قواعدها الثقافة… وجدرانها الفكر…

العدد 1195 - 23/04/2026