ثلج أسود كالليل!

حقيقة، هناك ثلج أسود كالليل، وقاتم كعتمة المنافي، والمخيمات التي غادرتها الحياة تماماً، وسكنتها الوحشة، ومكابدات الحياة المريرة، والمثيرة حد الوجع والجنون، والكارثة؟!

ثلج أسود، لا علاقة له على الإطلاق بالثلج الذي يرونه من خلف نوافذ الفنادق الفخمة، والفاخرة، وهم يستمتعون بثرثرة الشعر الراقي، وشي الكستناء، والجلوس على أرائك لا تمت للبشر الدروايش بصلة، لا من قريب، ولا من بعيد، علماً أن الشعر قد يمتّ لهم بصلة المجاورة، والقرب عن بعد، والمشاهدات العابرة، والتي توشك أن تحرّك المشاعر بنصف التفاتة عابرة تجاه أولئك المهمشين: نزلاء المخيمات، والشوارع، والأرصفة، وعلب الكرتون الليلية، تلك التي تشكل مدن وحياة ما قبل التاريخ في ألفية ثالثة، تجاوزت فيها تقنيات العلم والمعرفة مجموعات فلك كوننا الصغير أمام مجرات تنسج حولها عوالمها الخرافية حجماً وضخامة، وبعداً، تماماً: كتلك الأضداد القائمة من حولنا، وهي توشك أن تشي بضراوة الفوارق ضمن الكينونة الواحدة، صعوداً باتجاه المريخ، وهبوطاً باتجاه الهاوية، وبين هذا وذاك بعد المستحيل بينهما، بما يجعل من اليقين أحدّ من الظنون كافة: بأنه في عصر الوحشة، والمهانات، والضلالات الغاشمة، والتقارب الهش بين: أبناء المصير الواحد، والسلوكيات المشتركة، والقيم الواحدة، لم يعد هناك رابط واحد يجمع بين أبناء الملة الواحدة، ولا مصير واحد، ولا قيمة واحدة، وعين الوطن تدمع لما آل إليه الحال.

 إن بناء الرجال والأجيال والحضارة يتطلب حقباً من الزمان… عديدة، ولكن فأس الخراب يضرب ضربته الصاعقة، فإذا بهشيم ذلك الخراب ينتشر كهشيم النار تذهب به العاصفة فإذا بنا أمام مشاهد خارقة لا يصدقها العقل، ولا تعيها عين المشاهدة، لأنها نمط من المستحيل المجنون، أتى على كل شيء خلال دقائق الفاجعة، فأصبح هشيماً تذروه رياح الكارثة، فلا وقت آخر، لإعادة بناء التاريخ والرجال والأجيال، لأننا سنذهب في ترميم النفوس، وما خربناه في لحظات الجنون، واستعادة ما هدمناه بأيدينا، وأفكارنا التي ما تزال هشة كالعشب، وحتى نخرج الثقة من عباءات العداوة، إلى مناخ المجاورة الدافئ والقرب الجميل، لا بد لنا من عشرات السنين القادمة، والقادرة على نسخ ما كان جملة وتفصيلاً، والاستبشار بما سيكون حقيقة، وواقعاً، ويقيناً لا لبس فيه، ولا ظنون، ولا احتمالات طارئة، وبراقة، ومزيفة، وآثمةّ! ثلج أسود كالليل: اسألوا عنه طفولة الأرصفة، وعلب الليل الكرتونية، وعصافير المخيمات التي تموت من الجوع والبرد، وهي تلعن هذا العالم الآثم، الماجن، والصلة الكاذبة، المارقة بين أبناء الوطن الواحد، والمصير الواحد، والقيم الخلاقة، والمشتركة ضمن مفهوم النظريات، وترهات الواقع المهين، والواقعية السوداء القاتمة!

وهذا ما يؤكد رؤية كمال ناصر: (والتفتُّ، فلم أجد حولي سوايا!).

العدد 1195 - 23/04/2026