انتحار جماعي …
تناقلت بعض صفحات التواصل الاجتماعي طرفة، لا أدري ما إن كان تزامنها مع يوم المرأة العالمي له علاقة باحتفال النساء وأندادهن الرجال بهذا العيد الذي يعتبر تكريماً، ولو نظرياً، للمرأة، كما أعياد العمال والفلاحين والطفل والأم والثورات والانقلابات وأشباه الثورات… إلخ.
تقول الطرفة إن رجلاً وزوجته اتفقا على الانتحار معاً (وسنأتي على الأسباب لاحقاً في معرض التحليل) فصعدا أعلى بناء في المدينة وبدأا العد: (واحد، تنين، تلاتة) ثم رمت المرأة بنفسها، فيما بقي الرجل يبتسم ابتسامة المنتصر وهو يشاهد زوجته تتسارع في سقوطها الحر إلى الأرض البعيدة، وفيما كان يهنىء نفسه على ذكائه وفطنته شاهد زوجته تفتح مظلة كانت تخبئها في الثياب الفضفاضة، لتهبط بخير وسلام إلى الأرض الأم، وكل ظنها أن بعلها قد سبقها وصار عند الرفيق الأعلى ..
في تحليل الحكاية أن الزوجين يبدوان عاشقين في الأساس، أي أن زواجهما كانت نتيجة قصة حب عاصفة، بدليل أن قصص التاريخ لم تسجل حالات انتحار ثنائية إلا للعشاق، وقد أثمر حبهما عن زواج وأولاد وبيت ومصاريف، وكان الزوج قبل اندلاع الحراك الشعبي الذي تصادف ذكراه هذه الأيام أيضاً ويا للمصادفة العجيبة يعمل عملاً إضافياً بعد وظيفته يستطيع به مواجهة تكاليف الحياة وشراء موبايلات لحبيبته وأولاده وتعبئتها بالوحدات، ويوفر من عمله الثالث الذي يمارسه في العطلة الأسبوعية ما يكفي كلفة دعوة العائلة الى مطعم كل شهر مرة وثمن هدايا لشريكة العمر المظلية في أعياد الحب والأم وميلادها وزواجهما . . .الخ.
لكن ما إن بدأت الأحداث تتصاعد، ثم تطورت إلى حرب عمياء حتى خسر صاحبنا العملين الإضافيين، وتضاعفت الأسعار كما نعلم خمس مرات فقط لا غير، وفقدت الأسرة منزلها بكل محتوياته لوقوعه في منطقة ساخنة لم تبرد حتى الآن وكأن تحتها الجحيم، فأضيف إلى همّ الإفلاس والإملاق همُّ التشرد وأجرة بيت لا طاقة له بها، ثم لم يلبث أن جاءه خبر فقدان ابنه في إحدى المعارك الضارية التي لا تجري على حدود الوطن مع الغزاة والمحتلين، بل تجري في شوارع المدن والقرى بين أبناء البلد الواحد.
جلس الرجل مع حبيبة القلب في مركز الإيواء الذي تسكنه مع الأولاد (وهو بناء على العظم بلا أبواب ولا شبابيك وتسكن كل غرفة منه عائلتان تعيشان على معونات الإغاثة) وقد أخذ منه اليأس كل مأخذ، وكان السؤال الذي تسيّد حلقة النقاش الثنائي هو: ما العمل؟
الآفاق محدودة إن لم تكن مغلقة، والرجل ينام في مكان عمله، ويحلم ببيت دافىء وامرأة محبة، ويعرف أن الماضي لن يعود، وما فات مات.
وأصيبت المرأة باليأس من عدم الخروج من هذا المأوى البائس، مادام حضرة الزوج أصبح عاجزاً عن أي فعل إيجابي، وصارت جلساتهم كلها حسرات وبكاء على الأطلال.
فجأة انبثقت فكرة في ذهن الرجل: ما رأيك أن ننتحر معاً؟!
سارعت المرأة إلى الموافقة، لكنها بغريزة الأثنى توقفت عند موضوع الأطفال، ماذا سيكون مصيرهم؟!
قال الزوج: ماذا نفيدهم نحن الآن؟ لهم الله كما كل أطفال العائلات التي فقدت في هذه الحرب، وربما يرسل الله لهم قدراً أفضل من قدرنا الأسود ذات يوم.
أومأت المرأة برأسها موافقة، فحدّدا زمان (العملية) ومكانها، ومضيا إلى أعمالهما.
وكان ما كان، بعد أن غلب حبّ الحياة يأس كل منهما، وربما كان الخجل من التراجع أمام الشريك هو ما دفع كل طرف إلى اتخاذ قرار الانسحاب الانفرادي من لعبة الموت.
هذا السيناريو الافتراضي للحادثة الطريفة لا يلغي سيناريوهات أخرى كثيرة قد تكون إحداها رغبة الزوج في التخلص من الزوجة وطلباتها التي لا تنتهي، ورغبة الزوجة في الانتقام من خيانات الزوج المتكررة التي ظلت تتجاهلها لكبرياء فيها، فكانت خطة كل منهما في دفع الآخر الى نهايته بهذه الطريقة الفاجعة والمضحكة في آن.
وتتوالى الاحتمالات وتتعدّد، لكن الأكيد بلا جدال أنهما عادا إلى اللقاء مجدداً، وضحكا من حماقة الذهاب إلى الموت واختارا جمال الحياة رغم كل البثور والدمامل والقروح التي تركتها الحرب على جسد الحياة والناس.