السكن الشبابي بطرطوس وضبابية الأفق

يضيع ويتسرّب كالرمل من بين الأصابع حلم آلاف الشباب من أبناء محافظة طرطوس ممن سجلوا في مشروع السكن الشبابي عند فتح باب الاكتتاب على 500 شقة سكنية بموجب قرار وزير الإسكان والتعمير رقم 2109 للعام 2005 وبموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3934 الصادر بتاريخ 23 تموز 2005 يومذاك قُبلت كل طلبات الاكتتاب على المشروع، البالغة 3771 طلباً.

إذاً، بدأ الاكتتاب على الشقق السكنية في محافظة طرطوس قبل عقد تقريباً 2005 ضمن ما سمي (مشروع السكن الشبابي)، ذاك المشروع الذي تكفّلت الحكومة رعايته في مختلف المحافظات السورية بغية إيجاد حلول ناجعة لمشاكل السكن المتفاقمة عام بعد عام.

كانت حصة طرطوس من ذاك المشروع (الأمل) مايقارب 3371 شقة سكنية وتم الترويج له، على أن يتم الاستلام للراغبين بفسحة أمل، بمسكن على مرحلتين، في المرحلة الأولى تكون المدة الزمنية لا تزيد عن خمس سنوات، والمرحلة الثانية تمتد إلى نحو 7 سنوات، والشيء العجيب الغريب أنه حتى الآن أي بعد انقضاء ما يزيد عن عقد من السنوات العجاف لم يتمّ تسليم أيّ شقة سكنية!!

ولم يتوقف الأمر على انقضاء ما يزيد عن ثلاث سنوات على المدة القصوى للتسليم إذ ظهرت الحقيقة المرّة التي تفيد بأن نحو 75% من المشروع مازال في الخيال، ولم يشهد تحديد الأرض التي سيولد عليها المشروع، أي أنّ أكثر من 2500 شقة لم يبدأ العمل فيها حتى الآن مع الإشارة إلى أن بعض المحافظات قد قامت بتسليم قسم من الشقق الجاهزة ضمن هذا المشروع ليبقى المكتتبون من أبناء طرطوس ينتظرون في مهب الضباب لتحقيق الحلم الذي طال انتظاره.

أعذار أقبح من ذنوب

عند اقتحام مغارة السكن الشبابي للاستفسار عما وصل إليه المشروع يفاجئك أربعون سبباً للتبرير ليس آخرها عدم التنسيق بين الجهات المعنية بالأمر، ومتاهات اللجان المشكّلة واللجان التي تلتها للتحقيق في إخفاقات اللجنة الأولى، وهكذا تتوالى اللجان والمتاهات حتى يفقد المرء صوابه ويخرج من هذه الدوامة كمن ابتلعه البحر. في زيارة جريدة (النور) للمهندس معمر أحمد مدير فرع المؤسسة العامة للإسكان في طرطوس يقول في معرض إجاباته على العديد من الاستفسارات التي تمحورت حول التأخير في إنجاز المشروع ومصير الأموال التي تم اقتطاعها:

استمرت المحاولات لاستلام الأرض من مجلس مدينة طرطوس نحو خمس سنوات 2010 والأرض التي تم تخصيصها تغطي مايقارب 400 شقة سكنية برجيات بارتفاع 11 طابقاً وبمساحات متعددة منها (الفئة أ) 80 متراً، وسيتم تسليم نحو 250 شقة وتخصيص ماتبقى من هذه الفئة لتسليمها خلال 2015 (والفئة ب) 70 متراً، (والفئة ج) 60 متراً ونحن مستمرّون بتنفيذ عددٍ مماثلٍ من كتل الأبنية في الموقع نفسه، ولكن بسبب عدم تخصيص الأرض الأخرى لاستكمال المشروع فإننا مضطرون للتوقف.

أمام هذه التبريرات تُطرح أسئلة عديدة عن سبب التقصير وسط تقاذف المسؤولية بين الجهات المعنية، فالمهندس معمر يلقي المسؤولية على عاتق مجلس مدينة طرطوس التي كان عليها تأمين الأراضي اللازمة لإتمام المشروع، فهي الجهة المعنية بهذا الأمر، فيما ألقى مجلس مدينة طرطوس – عندما سألناه عن الموضوع – باللوم على اتحاد الفلاحين الذي اعترض على استملاك الأرض التي كان من المفروض أن يستكمل عليها المشروع في منطقة أبو عفصة الواقعة جنوب طرطوس.

وسط هذه الآليّة التي لا توحي بالأمل في إتمام المشروع خصوصاً بعد ما حلّ بسورية، يسأل وسيم علي في رسالته عن السبب الذي حال دون تسليمه شقته خصوصاً أنه حصل على أرقام متقدمة من خلال القرعة التي أعلنت يومذاك على التلفاز الرسمي، وهل سيأتي اليوم الذي يحصل فيه على شقته؟!

ميزات كانت حلماً لكل مكتتب

يؤمّن المشروع إذا ما نظرنا إليه في ظل الغلاء الفاحش للعقارات في سورية بشكل عام وطرطوس بشكل خاص امتيازات عديدة، من انخفاض سعر الشقة إلى آلية دفع الأقساط المريحة إذا ما قورنت مع المبالغ الباهظة التي تطلبها الجمعيات الخاصة، ففي عام 2005 وهو بداية انطلاق المشروع كانت قيمة القسط نحو 2500 ليرة أي أنّ مجموع ما دفعه كلّ مكتتب حتى اليوم لا يتجاوز 400 ألف ليرة، كما أكد وسيم علي، على أن يدفع ما تبقى وفق سعر التكلفة، وهنا تكمن الكارثة فالأسعار تضاعفت عشرات المرات عما كانت عليه فيما لو التزموا بالمدة، فمن يتحمّل مسؤولية هذا التأخير؟ يسأل وسيم علي. ويضيف متسائلاً عن سبب التأخّر والتسويف للمشروع مادامت طرطوس هي من المحافظات الآمنة جداً والتي تتوفر فيها مواد البناء واليد العاملة إضافة إلى توفر الأراضي الشاسعة التي يمكن استملاكها لإقامة ما تبقى من المشروع.

مرسوم وعرقلة

وما زاد الطين بلة أن المرسوم الصادر عام 2007 حول استملاك الأراضي وتوزيعها على الجمعيات السكنية هو من حيث المبدأ مرسوم ساهم بشكل كبير في انخفاض أسعار العقارات، ولكن عدم تنفيذه وضع العصي في عجلات هذا المرسوم، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن المرسوم لم ينفذ على أرض الواقع، لأن هناك من ستتضرّر مصالحه من خلال تنفيذ هذا المرسوم، فهل سنشهد تطبيقاً لهذا المرسوم والضرب بيد من حديد لكل من عرقل وتلكأ في التنفيذ؟!

إشكالية وخلل

يؤكد عضو المكتب التنفيذي المختص لقطاع السكن الشبابي والإسكان في طرطوس أن بعض مشاريع السكن الشبابي في طرطوس متعثرة لأسباب عدة، أبرزها اعتراض الأهالي على العقار المستملك لمصلحة السكن الشبابي في منطقة أبو عفصة وعدم توافر بدائل مناسبة للأرض المستملكة، وعدم قيام مجلس المدينة بتوزيع حصة مؤسسة الإسكان من العقار المستملك في عقدة الشيخ سعد بسبب عدم انتهاء إجراءات تصديق المخطط التنظيمي. ويضيف بأن المرحلة الأولى من مشروع السكن الشبابي شهد بطئاً في تنفيذ جميع العقود لعدة أسباب منها عدم إمكانية توريد المواد الأولية اللازمة للمشروع إضافة إلى الغلاء الكبير في أسعار جميع المواد.

صعوبات العمل

تواجه المؤسسة اليوم صعوبات في العمل والإنجاز، كما سرّب لنا أحدهم، تتلخص بالوضع المستجد في القطر خلال الأزمة، وبالتالي الصعوبة في تأمين اليد العاملة وفي تأمين المواد الأولية إضافة إلى الارتفاع الكبير في الأسعار. وحول آخر مستجدات المرحلة الثانية من المشروع (الأرض المستملكة جنوب أبو عفصة) يوضح لنا هذا المصدر أن المشكلة تتلخص بصعوبة الحصول على موقع مناسب لإشادة الجزء الثاني من المشروع، الأمر الذي تسبب في التأخير بإنشاء المساكن الشبابية.

أخيراً

طال الزمان وطالت فترة الانتظار وما نخشاه ويخشاه الكثير من المكتتبين هو أن يصبح حلمهم الآمل في مهب الضباب، وأن تذهب وعود المسؤولين كغيوم الصيف التي تعبر الحقول دون أن تروي عطشها.. فهل ستحمل لنا الأعوام القليلة القادمة استكمالاً لهذا المشروع يا ترى؟!. سؤال نضعه برسم وزارة الإسكان والتعمير..!

العدد 1194 - 15/04/2026