الحقيقة المظلومة
(تلف الأكذوبة حول العالم دورة كاملة، قبل أن تنتهي الحقيقة من ارتداء سروالها). هو رأي مارك توين، فيما يتصل بالكذب والحقيقة.
للحقيقة كسائر الموجودات، من أحياء وكائنات، محبون وروّاد وأصدقاء، مثلما لها كارهون وحاقدون وأعداء. وكأني بها = أي الحقيقة – تلك السيدة المغراء التي تتمتع بجمال الروح وفتنة الجسد، ما يملك على عشاقها عقلهم والفؤاد، وتتربع على جانب من المهابة و الوقار، ما يُفزع كارهيها ويثير حسدهم. يمتاز روّاد (السيدة حقيقة) بإخلاصهم لها – لذاتها – وبتفانيهم في خدمتها وإعلاء شأنها، كرمى سحر عينيها. فيما يتشدق أعداؤها، بسؤال خاطرها والمطالبة بها (كحق يراد به باطل) بقدر ما تخدم مصالحهم وتستجرّ لهم من مرابح ومنافع، على حساب الآخرين.
لئن استمدت الحقيقة نفوذها، من صلابة جوهرها، ومنافحة سدنتها والمؤمنين بها، الذين يذودون عنها بالقول والمال والفعل، والدم أحياناً. فقد عرف تاريخها التمويه والتضليل والتزوير، من قبل خصومها ومناوئيها، الذين يُعملون أسلحتهم بها، إسكاتاً وإخفاءً وجّلْداً وسجناً وتعذيبا. لطالما أُهينت تلك السيدة، وظُلمتْ وشوِّه بياض قلبها وسواد عينيها، واتهمت في عقر طُهرها وبراءتها. كما هُمِّش وأُبعد مناصروها، متنورون ومتصوفة وعُبَّاد، مصلحون اجتماعيون، مكافحون وطنيون، فلاسفة ومفكرون، وعلماء ومُبدعون. وحُجر عليهم وجرِّموا، ورميوا بالحجارة والزندقة والإلحاد. ونُكِّل بهم على مدار الزمن.
فإن أكل غبار النسيان، على أسماء بعض المناصرين.. شرب طول الزمان على أسماء بعضهم.. وطمس الطُغاة وحواشيهم وأتباعهم، من عصابات وقتلة ومجرمين، أسماء بعض آخر. فما زالت الذاكرة الجمعية للإنسانية، تحتفظ وتذكر وتعتز، وتستلهم أمل أجيالها وقدوة مستقبلها. من قامات سامقة لمناضلين وشهداء في سبيل الحق والحقيقة. قامات يزهو التاريخ بأسمائهم وتفخر البشرية: كسقراط والحلاج وابن عربي وماركس والجاحظ والمعرّي ونصر حامد أبا زيد وغاليلو والخنساء وغاندي وابن سينا وفرج الله الحلو ويوسف العظمة وأبو خليل القباني وغسان كنفاني وناجي العلي وسناء محيدلي وسهى بشارة وغالية فرحات وغيرهن وغيرهم. وكما يُظلم الأفراد والجماعات، بتشويه الحقائق والاعتداء على الحقوق. كذلك أيضاً تُظلم شعوبٌ بأكملها، ويعتدى عليها حدَّ التدمير والإبادة. وأكبر وأسوأ مثال على ذلك، ما شهدته البشرية من حروب طاحنة ويشهد وطننا السوري، من الحرب الكارثية الراهنة، التي يشنُّها عليه تحالف الإرهاب العالمي، بما فيه العربي والمحلي!